بقلم: حسن إبراهيم فضل
لم تكتف مليشيا الدعم السريع بنهب ممتلكات المدنيين وترهيبهم وبعد المجازر والابادة المروعة التي ارتكبتها ضد المدنيين العزل في الفاشر وغيرها حيث لم يشف غلها وامعانها في القتل والتشريد فاتجهت لإبادة جماعية صامتة ضد المدنيين في دارفور باستخدام الغذاء والتجويع كوسيلة لتنفيذ مخططها.
ونقلت وسائل الاعلام ان ما تسمى بلجنة الامن بولاية جنوب دارفور(لجنة الامن الاذلال والترهيب ) قد اصدرت قرارا يمنع نقل أو ترحيل محصولي الدخن والذرة من داخل الولاية إلى خارج حدودها الجغرافية ،ووجهت المليشيا عناصرها بمصادرة وسيلة النقل والمنقولات والسجن والغرامة تصل لأربعة ملايين جنيه وهو اجراء غاية في التعسف والهمجية في إقليم يعتمد مواطنوه على تبادل هذه السلع والحبوب بين ولاياتها وقراها وفرقانها, في الوقت الذي تشير تقارير عن انهيار مئات الخيام وبيوت المدنيين في عدد من المعسكرات سيما في طويلة وشنقل طوباية بولاية شمال دارفور والتي ستكون من اكثر الولايات تضررا من ذهه الجريمة التي تمنع وصول الحبوب الى ولايات دارفور الاخرى.
إن منع نقل الحبوب والمواد الغذائية ، من ولاية جنوب دارفور إلى ولايات دارفور الأخرى والسودان، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد قرار عابر بل هي سياسة ممنهجة لإبادة شعب دارفور بصورة انتقائية بتحويل الجوع إلى أداة من أدوات الحرب ووجه اخر من وجوه الإبادة الجماعية التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع ليل نهار ضد المدنيين العزل .
ان ولاية جنوب دارفور ليست ولاية هامشية في منظومة الغذاء بإقليم دارفور، بل تمثل واحدة من أهم المراكز الاقتصادية والإنتاجية في الإقليم، وتتدفق إليها المنتجات والسلع من مناطق مختلفة، كما يعتمد عليها سكان ولايات ومناطق أخرى في الحصول على احتياجاتهم الغذائية, ولذلك فإن منع خروج الحبوب منها لا يعني فقط تقييد حركة السلع، وإنما هي جريمة مكتملة الأركان ولها آثار كارثية على ملايين المدنيين الذين يعيشون أصلاً تحت وطأة الحرب والنزوح وانهيار الأسواق.
وعندما تُمنع المليشيا المواد الغذائية من الوصول إلى مناطق في امس الحاجة إليها ، أو تُفرض قيود متعمدة على حركة الغذاء بهدف إخضاع السكان أو معاقبتهم، فإن الأمر يتجاوز مفهوم الحصار الاقتصادي إلى جريمة ضد الإنسانية ويستوجب المساءلة وفق القانون الدولي الإنساني.
والأخطر أن تأتي هذه الإجراءات في سياق تستهدف حرمان مجموعات بعينها من السكان من حقوق أساسية وحاجات ضرورية للبقاء ,لذلك فإن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع هذه الجريمة باعتبارها جريمة تستهدف المدنيين وحقهم في البقاء ,والمجتمع الدولي مطالب اليوم ليس فقط بالتحرك وبيانات القلق، وإنما مطلوب إجراءات عملية لضمان وصول الغذاء والمساعدات إلى المدنيين، وحماية العاملين في المجال الإنساني، والتحقيق في عمليات النهب والقتل العرقية، ومحاسبة المليشيا على جرائمها وسياساتها المتعمدة لتجويع السكان وأن تنظر إلى هذه الجريمة باعتبارها جريمة تمس المدنيين وحقوقهم الاساسية ، ولا يمكن الاكتفاء بتصريحات القلق والادانة.
ولا نريد خطب رنانة وعبارات لا تنسجم وواقع الازمة كتلك التي سمعناها بالأمس من وفد السلم والامن بالاتحاد الافريقي الذي عجز حتى في ان يدين موقدي الحرب وممولي الموت في بلدنا.
ان السودان احد مؤسسي منظمة الوحدة الافريقية في تطورها التاريخي ومن اهم الفاعلين في الاتحاد الافريقي فكيف يمكن للاتحاد الذي تأسس على مبادئ حماية وحدة القارة وكرامة شعوبها ومنع الجرائم والانتهاكات ضد شعوبها أن يظل صامتاً أمام معاناة المدنيين السودانيين؟
لقد كان مؤسفاً أن يخرج وفد السلم والأمن الأفريقي من الخرطوم ببيان هزيل وموقف اقل ما يقال انه استفزاز للضحايا وللشعب السوداني وهو يدافع عن عزة ووحدة تراب وطنه, لم يجرؤ وفد الاتحاد بمجرد ادانة لانتهاكات مليشيا الدعم السريع، أو الجهات التي تدعم وبشكل علني المليشيا وتغذي الحرب.
ان الشعب السوداني ليس في حاجة إلى أن يخبره الاتحاد الأفريقي كيف يؤدي دوره الوطني وكيف يدافع عن شرف وكرامة مواطنيه ولا كيف يدير حواراته ، لكنه يحق له أن يسأل: أين الاتحاد الأفريقي عندما يُقتل المدنيون؟ وأين هو عندما تنهب المساعدات؟ وأين هو عندما يصبح الغذاء أداة في الحرب؟
إذا كان الاتحاد الأفريقي جاداً في الإسهام في حل الأزمة السودانية، فعليه أن يكون أكثر استقلالاً ووضوحاً، يدين أولا بعض أعضائه الموغلين في الازمة السودانية والداعمين لقتل شعبنا وأن يرفض أي تدخل خارجي يطيل أمد هذه الحرب والا فان الاتحاد الافريقي غير مؤهلا للحديث عن حل الازمة السودانية طالما لا ستطيع حتى ادانة الجرائم التي تركبها المليشيا وبعض أعضاء الاتحاد في تقديم الدعم اللوجستي والاستخباري لقتل الشعب السوداني, ان اهم الخطوات التي يمكن أن تعيد للاتحاد الأفريقي شيئاً من الثقة التي فقدها لدى الشعب السوداني، هي إعادة السودان إلى موقعه الطبيعي داخل المؤسسة القارية، وعدم التعامل معه باعتباره مجرد ملف أمني، بل باعتباره دولة مؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية، التي نشأ من رحمها الاتحاد الأفريقي.
والأهم من ذلك أن على الاتحاد الأفريقي أن يستخدم أدواته السياسية والدبلوماسية للضغط على أي دولة أو جهة من أعضاء الاتحاد متورطة في تزويد المليشيا بالسلاح، أياً كانت تلك الجهة. فلا يمكن للاتحاد الافريقي الحديث عن السلام بينما تستمر قنوات السلاح في تغذية الحرب مستمرة من دول الاحاد حتى تلك التي تستضيف مقر الاتحاد.
[email protected]
مليشيا الدعم السريع.. عندما يتحول الغذاء إلى سلاح ضد المدنيين
