نبارك للحكّام وأصحاب القرار… لقد تمّت تصفية الشعب، ولكم القرار! الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

في شمال الوادي، لم تكن الحكاية مجرّد خبرٍ عن معدّنين رحلوا؛ كانت حكاية وجعٍ سودانيٍّ آخر، عن فقراء دفعتهم الحاجة إلى ملاحقة الرزق في أعماق الأرض، فصار لأسرهم نصيبٌ من الفقد، وللوطن جرحٌ جديد.

كم من دعوةٍ ارتفعت في تلك اللحظات؟ وكم من أمٍّ كانت تنتظر أن تسمع صوت ابنها؟ وكم من زوجةٍ كانت تحسب الأيام على أمل أن يعود الغائب، حاملًا معه ما يسند البيت، لا أن تحمل إليها الأخبار وجعًا لا تسعه الكلمات؟

رحلوا وهم يبحثون عن لقمة العيش، وتركت الجبالُ خلفها حكايةَ تعبهم، فيما تواجه أسرهم مرارة الغياب، ويظلّ السؤال معلّقًا في وجه وطنٍ أنهكه الفقر والحرب: أكلّما خرج الفقراء بحثًا عن الحياة، عادوا إلى أهلهم حكاياتٍ من الحزن؟

### ✦ شهداء الرزق.. قضية وطن لا منطقة ✦

رحم الله المعدّنين الذين رحلوا، وغفر لهم، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أسرهم الصبر والسلوان.

فبعض الفواجع لا تنتهي عند لحظة الرحيل؛ تبدأ بعدها قصة طويلة من الغياب، ويظلّ في البيوت مكانٌ فارغ، وفي القلوب دعاءٌ مكسور، وفي الوطن سؤالٌ لا يجوز أن يُدفن مع الراحلين.

لكنّ الحكاية لا تقف عند حدود الفاجعة، ولا تنتهي عند تقديم العزاء؛ فحين يصبح البحث عن لقمة العيش طريقًا محفوفًا بالمخاطر، وحين يخرج الفقير طلبًا للحياة ولا يعرف إن كان سيعود إلى أسرته، يصبح السؤال أكبر من حادثة، وأوسع من منطقة، وأعمق من خبرٍ عابر.

إنها قضية وطن، ومساءلةٌ لواقعٍ بات فيه المواطن يواجه الفقر والحرب والجوع، بينما ينشغل أصحاب القرار بترتيب المشهد السياسي.

وهنا…

### ✦ نبارك للحكّام وأصحاب القرار… لقد تمّت تصفية الشعب، ولكم القرار! ✦

أخيرًا، يبدو أن الطريق أصبح ممهدًا، ولم تعد هناك عقبة تُذكر أمام استكمال المشهد. فالحكومة موجودة، والأحزاب موجودة، والحركات موجودة، والحوارات الوطنية لا تتوقف، والمستقبل قيد الترتيب.

أما المواطن، فلا داعي لإقحامه في تفاصيل لا تخصّه؛ يكفيه أن يبحث عن رغيف خبز، أو لتر وقود، أو كهرباء غائبة، وأن يتدبّر أمره مع أسعار لا تنتظر راتبًا ولا ترحم فقيرًا.

يا لها من دولة مكتملة المشهد! لكل طرف حساباته، ولكل فصيل موقعه، ولكل سياسي حديثه عن الوطن، وللمواطن وحده مهمة تدبير ما تبقّى من حياته.

ولأن الأمور تسير، كما يبدو، على ما يُرام، نرفع أسمى آيات التهاني إلى أصحاب القرار.

فقط، سؤال صغير: إذا كان القرار لكم، والوطن لكم، والمستقبل قيد الترتيب… فأين الأحياء الأموات من كل هذا؟

أهي…

أرضٌ للعائدين إلى حضن الوطن، وأرضٌ للمليشيات بمختلف مسمّياتها، وأرضٌ للمغنّي والمؤثّر وابن الوزير… أمّا الفقير، فعذرًا، يبدو أن الأرض لم تعد تتّسع له!

وهنا يُقال لنا…

ألم تقتلكم الحرب بعد؟ ألم يقتلكم الجوع بعد؟ ألم تنتهِ منكم الفتنة بعد؟ أم أن كل ذلك لا يكفي؟

فالفقير وحده يعرف معنى الحرب والجوع، بينما ينشغل الآخرون بترتيب المشهد وتقاسم الأدوار.

كن فاسدًا، فأنت عزيز قوم؛ كن سارقًا، فأنت من سادة القوم؛ كن واشيًا ومخرّبًا، فأنت تصلح لهؤلاء القوم!

ويا لها من سعادة أن تكون مغنّيًا أو راقصة؛ فأنتم أهل القوم، ولكم الحفاوة والمكانة، أمّا الفقير، فله الصبر والجوع والانتظار!

يا لها من مفارقة! وطنٌ يتّسع للعائدين، بمختلف مسمّياتهم، ولأصحاب النفوذ والأضواء، لكنه يضيق على من لا يملك سوى حاجته إلى الخبز والأمان.

وهنا يعود السؤال إلى شمال الوادي، وإلى المعدّنين الذين خرجوا بحثًا عن الرزق، وإلى كل فقيرٍ يطارد لقمة العيش في وطنه: من يحمي هؤلاء؟ ومن يسأل عن مصير أسرهم؟ ومن يضع حياة المواطن وكرامته في مقدّمة الأولويات؟

فالدولة لا تُقاس فقط بما تعلنه حين تكون الوقائع في صالحها، بل أيضًا بقدرتها على مواجهة الأسئلة الصعبة حين يكون الصمت مكلفًا، وحين ينتظر المواطن منها تفسيرًا لا يتركه وحيدًا أمام الشائعات.

السيادة ليست شعارًا يُرفع، وحماية المواطن ليست منّة، والحقيقة ليست خيارًا مؤجلًا.

رحم الله شهداء الرزق، وغمرهم بواسع رحمته، وربط على قلوب أسرهم. ولتبقَ قضيتهم قضية وطن لا منطقة، وحقًّا لا يسقط بالنسيان، وسؤالًا مفتوحًا أمام كل من يملك القرار.

### ✦ آخر ما يُقال… ✦

كم كان ثمن دم الشعب؟ وكم كان ثمن الأرض؟

وهل علينا الرحيل؟ عذرًا، فنحن لا نحمل ما يضمن لنا نصيب الأسد من العفو، ولا نملك ما يفتح لنا أبواب العودة إلى حضن الوطن الكبير، كما فُتحت لآخرين، نالوا النصيب الأكبر من العفو والعودة، رغم ما ارتبط ببعضهم من اتهامات بسرقة مال الشعب.

أخبرونا، متى علينا الرحيل؟

نبارك للحكّام وأصحاب القرار… لقد تمّت تصفية الشعب، ولكم القرار!

✍️ …

أنا الرسالة حين يضيع البريد.. أنا امرأة من حبر النار..

سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان.

#السودان
#شهداء_الرزق #شمال_الوادي #الفقير_خارج_حسابات_القرار #السودان_واحد #العدل_ميزان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *