حول وثيقة نحو عقد اجتماعي، اقتصادي وثقافي جديد (2-2)

ناصف بشير الأمين

غرض هذا المقال هو مناقشة وثيقة “نحو عقد اجتماعي، اقتصادي وثقافي جديد“ التي أعدتها مجموعة الخبراء الاستشارية Expert Advisory Group (EAG) وصدرت في أغسطس 2018. تم إعداد الوثيقة بتكليف من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، لتكون بمثابة وثيقة مرجعية للشعب السوداني و للمجتمع الدولي في إطار الجهود الرامية لتحقيق التحول الديمقراطي وإعادة رتق نسيج المجتمع وبناء الدولة في السودان على أسس جديدة. وتعتبر هذه الخطوة تجربة جريئة و محاولة لتبني وتطوير تقاليد جديدة في الممارسة الحزبية السودانية، حيث اختارت الحركة الشعبية أن تعهد لمجموعة من الخبراء المستقلين والمهنين والأكاديميين – من غير أعضاء الحركة – بمهمة إعداد برنامج للسياسات البديلة المستقبلية. تم تكوين مجموعة الخبراء الاستشارية في العام 2012 وظلت تعمل في إعداد هذا البرنامج على مدار أربع سنوات. وقد التأمت مجموعة متميزة وواسعة من الخبراء والأكاديميين السودانيين في مجالات القانون الدستوري، حقوق الإنسان والحقوق المدنية، الحكم، السياسة الخارجية، الأمن، التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافة والهوية. واستندت الوثيقة موضوع هذا المقال على عدد من الأوراق المرجعية التي أعدها هولاء الخبراء وغطت كافة المجالات المذكورة. ووفر هذا الحشد تنوع وتعدد الخبرات والخلفيات العلمية والفكرية المطلوبة للتعامل مع الجوانب المتنوعة والمتعددة لمثل هذا المشروع وكذلك تعدد الأصوات الذي يعكس واقع التنوع الذي تذخر به بلادنا. تقدم الوثيقة في جزئها الخاص بالسياسات البديلة المستقبلية نموذجاً متقدماً للتفكير والتخطيط الاستراتيجي والذي يُعرف بأنه جهد جماعي منضبط يرمي إلى رسم رؤية للمستقبل ولكن استناداً الى تحليل دقيق ومنطقي، بما يجعل من التخطيط الاستراتيجي طريقة للتفكير والدراسة والتخطيط بطريقة فعالة ودليلاً مرناً وعملياً لاتخاذ القرارات وتخصيص الموارد بغرض تحقق الأهداف على نحو أفضل (برايسون 2011). ويقدم التخطيط الاستراتيجي نهجاً لمواجهة التحديات الخطيرة وتعظيم الاستفادة من الفرص المحدودة المتاحة في ظل التعقيد وانعدام الاستقرار والمتغيرات العديدة في البيئتين الداخلية والخارجية. وعادة، ما تقوم عملية التخطيط الاستراتيجي على رؤية شاملة من خلال النظر إلى السياق الأوسع، إلا أنها تقود أيضاً إلى القيام بأعمال محددة، كما هو الحال في هذه الوثيقة.

هدفت الوثيقة إلى مخاطبة جذور الأزمات والقضايا الرئيسية التي تسببت في فشل الدولة السودانية الحديثة و فشل مهام البناء الوطني، وتقديم خارطة طريق لتصحيح مسار الدولة السودانية بعد استعادة الديمقراطية. ومن هنا تنبع الأهمية الكبيرة لهذه الوثيقة بالنظر للقضايا الهامة التي تناولتها و تعدد وتنوع الخبرات المتميزة التي توفرت لها والمدة الزمنية المناسبة الذي استغرقتها عملية إعداها. تطرح الوثيقة للنقاش أسس عقد اجتماعي اقتصادي وثقافي جديد للبناء الوطني وبناء الدولة المدنية الديمقراطية يكفل حقوق المواطنة المتساوية دون تمييز و التنمية والعدالة و الديمقراطية، وخارطة طريق للسياسات المستقبلية البديلة لوضع البلاد في مسار مغاير يوقف الانهيار الاقتصادي وسياسات التهميش والفساد و يعمل على تحقيق التنمية والعدالة والحكم الرشيد وسيادة حكم القانون. قدم الجزء الأول من هذا المقال طرحاً نظرياً حول قضايا البناء الوطني وبناء الدولة، وكذلك بعض الجوانب العملية المرتبطة بذلك التي تناولتها الوثيقة، شمل المضامين القانونية والاقتصادية والثقافية لمفهوم المواطنة، إدارة التنوع الثقافي والإثني وبناء هوية وطنية مشتركة. ويتناول هذا الجزء الثاني من المقال السياسات البديلة والإصلاحات الهيكلية التي طرحتها الوثيقة؛ وهي تشمل تطوير هوية وطنية مشتركة، إدارة التنوعِ الإثني، نظام الحكم والإصلاح الدستوري و القانوني، إصلاح المؤسسات العامة وإعادة هيكلتها، التحولات الهيكلية في بنية الاقتصاد و السياسات التنموية. وتقترح الوثيقة فترة انتقالية مدتها أربع سنوات كحد أدنى للقيام بالاصلاحات الرئيسية المطلوبة.

إدارة التنوع الإثني وتطوير هوية وطنية مشتركة

إن الوحدة من خلال التنوعِ هي السبيل الوحيد الممكن للمحافظة على وحدة السودان وتمتينها. وكما قال د. جون قرنق؛ لا يمكن للعروبة او الإفريقانية او المسيحية او الإسلام أن توحدنا. السودانوية وحدها هي التي يمكنها أن توحدنا …انطلاقا من هذا الفهم، ترى الوثيقة وجوب التعامل مع عملية البناء الوطني على أساس أنها تمثل حجر الزاوية و شرطاً أولياً لتأكيد شرعية الدولة وبناء هياكل قوية لها. وتوصي الوثيقة بإجراء حوار سياسي حر وشفاف يشمل كل قطاعات المجتمع السوداني للوصول إلى إتفاق حول قضايا الهوية يتم تضمينه في الدستور. وترد الإشارة أيضاً إلى ان المحددات التي تشكل إطاراً لهوية وطنية مشتركة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى استيعاب الهويات المحلية من خلال السياسات الهادفة الى حسن إدارة التنوع الإثني والثقافي بشكل فاعل، بما في ذلك تطبيق نظام للحكم اللامركزي يكون قادراً على تلبية طموحات و تطلعات المجتمعات المهمشة في أن ترى ثقافاتها يتم الاعتراف بها و احترامها. تجب الإشارة هنا الى أنه وبينما شكلت سيادة الرؤية المركزية التقليدية عن السودان بوصفه بلداً عربياً إسلامياً السبب الرئيسي لفشل مهام البناء الوطني – كما جرى التفصيل في الجزء الأول من هذا المقال – فإن الرؤية المضادة التي تنكر بشكل تام وجود أي صلة تربط بين الإسلام والعروبة من جهة والسودان من جهة أخرى تُعتبر أيضاً مضرة بذات القدر. لهذا السبب تحذر الوثيقة من مغبة ترسيخ المنظورات التنافرية التي تنكر وجود أي مشتركات بين المجموعات والثقافات السودانية وتعمل على تقوية النزعات القومية المحلية خصماً على تطوير هوية وطنية مشتركة. وحسب ما جاء في الوثيقة، يقع على القيادات السياسية في الفترة الانتقالية وما بعدها عبء الوصول الى تصالح بين الهويات المحلية من خلال عملية الحوار المجتمعي الشامل، الحر والشفاف لجهة خلق شعور بالإنتماء المشترك قائم على مفاهيم المواطنة والقيم التأسيسية العليا للبناء الوطني، مثلما يتوجب عليها أن توجد ضمانات دستورية ملزمة تضمن عدم التمييز، و الحريات و الحقوق الدينية و الثقافية، و الإعتراف الكامل بالتنوع و إحترامه.

تقترح الوثيقة في هذا الصدد، من بين أشياء أخرى، إنشاء مفوضية للثقافة بصلاحيات متعددة وواسعة، تدريس اللغات ورعاية الثقافات التقليدية، توفير فرص متساوية في الإعلام الوطني والمحلي لعكس الثقافات المختلفة، الإهتمام بالآثار وحماية المواقع التاريخية وصيانتها..الخ. حسن إدارة الثقافي لها أيضاً أبعاد تمتد لتدخل في التعليم و الاقتصاد و السياسة الاجتماعية. يجب كذلك التعامل مع السؤال الخاص بالإسلام و دوره في السودان الجديد باعتبار أنه يمثل جزءً من سؤال الهوية: تبني خيار فصل الدين عن الدولة.

الإصلاحات في الحكم و الدستور

إن الإتفاق حول تحديد نظام الحكم الأنسب لظروف البلاد (رئاسي أم برلماني) يعتبر قضية مركزية و يجب أن يتم عبر عملية حوار شاملة تتضمن مشاركة سياسية واسعة. هناك حاجة لتبني نظام حكم لامركزي فدرالي يحقق القسمة العادلة للسلطة والثروة بين المركز والأقاليم ويكون قادراً على تلبية طموحات وتطلعات مجتمعات الأقاليم المهمشة في الحكم الذاتي. تقترح الوثيقة دراسة التجارب الفدرالية المختلفة من أجل تحديد النموذج الفدرالي الأنسب لظروف السودان، و في هذا الصدد، ترشح التجربة الأثيوبية كحالة ملائمة و صالحة للدراسة، بوصفها محاولة لإدارة التنوع الإثنى ضمن وحدة القطر. ويمكن أن يشمل ذلك تجارب أخرى عديدة كسويسرا والمملكة المتحدة والهند.

ومع تأكيدها على تبني خيار الحكم اللامركزي، تحذر الوثيقة من الخطر المحتمل للانقسامات الاقليمية و عدم اندماج بعض الأقاليم في الكيان الوطني، كما حدث في تجربة انفصال الجنوب. إن أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في تفكك الكيانات الفدرالية هو الصراع بين الرؤى السياسية الاقليمية و التوجهات المركزية. ويعيد ذلك التأكيد على حقيقة الترابط التام بين مهام بناء الدولة وعملية البناء الوطني التي تمثل حجر الزاوية لوحدة الدولة ولتأكيد شرعيتها، كما سبقت الإشارة. و لضمان توفر الثقة المتبادلة و الرغبة في التعاون بين المركز و الأقاليم تقترح الوثيقة أيضا، من بين أشياء أخرى، إجراء إصلاحات في قوانين الانتخابات و القوانين التي تنظم الأحزاب السياسية. و في هذا السياق، يمكن للأحزاب السياسية أن تلعب دوراً إيجابياً في تمتين وحدة البلاد، ولكن قدرة الأحزاب على القيام بهذا الدور ستعتمد على مدى نجاحها في أن تجري الإصلاحات الداخلية الضرورية التي تحتاجها هي نفسها بما يمكنها من تطوير برامجها وتنظيماتها بالطريقة التي تستجيب للإحتياجات الراهنة للبلاد.

اشتملت الوثيقة أيضاً على خارطة طريق تفصيلية فيما يخص الاصلاحات المؤسسية وإعادة الهيكلة اللازمة لإبطال وإزالة تسيس المؤسسات العامة المدنية والعسكرية (سياسية التمكين) الذي اتبعه النظام الحالي على مدى سنوات حكمه. وإعادة بنائها كمؤسسات وطنية غير حزبية مهنية ومحايدة تعكس التنوع الذي تنعم به البلاد.

فيما يخص الإصلاح القانوني والدستوري، تتوجب الإشارة الى أن سيادة حكم القانون والحماية الدستورية لحقوق الإنسان في السودان ضعيفة لأقصى حد معاً فيما يتعلق بالاعتراف بالحقوق نفسها وكذلك فيما يتعلق بتوفر آليات فعالة وذات مصداقية لحمايتها وتطبيقها ومسآءلة ومحاسبة منتهكيها. ويسهل هذا النظام القانوني الضعيف الانتهاكات المنهجية وواسعة النطاق لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية ويشجع عليها، بسبب غياب المسآءلة وسيادة ثقافة الإفلات من العقاب والعقبات العديدة التي تعترض سبيل وصول المواطن العادي للعدالة. تجب الإشارة هنا إلى ان الانتهاكات المنهجية للحقوق والحريات هي سبب وليس نتيجة لضعف النظام القانوني السوداني؛ بمعنى أنه تم إضعاف هذا النظام وآلياته عمداً بسبب تبني النظام الحالي لسياسة رسمية تعمل على تسهيل انتهاكات حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني في مناطق الحرب في الهامش، وضمان إفلات مرتكبيها من المساءلة والعقاب. يتمثل الضعف المعياري (المتعلق بالمعايير والمباديء) والمؤسسي في النظام القانوني السوداني، من بين أشياء أخرى، في: ضعف وأحياناً غياب الحماية القانونية والقضائية لحقوق الإنسان الأساسية (بالرغم من النص عليها نظرياً في الدستور)، نظام الحصانات والتقادم المسقط للمسؤلية الجنائية في الجرائم الخطيرة كالتعذيب والمحاكم الخاصة والذي يكرس لثقافة الإفلات من المساءلة والعقاب، التمييز خاصة على أساس النوع (كمثال في قوانين الأسرة وقوانين العقوبات ..الخ) وعلى أساس الدين والثقافة بالنسبة لسائر القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، العقوبات الوحشية والحاطة من الكرامة كالجلد، عدم توفر الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة حسب المعايير الدولية (خاصة تحت قوانين النظام العام وقانون الإرهاب)، عدم استقلال القضاء وتبعيته للجهاز التنفيذي..إلخ.

ترى الوثيقة أن الإصلاحات الدستورية المستدامة يجب أن تسترشد بمفهوم للهوية الوطنية يحظى بالقبول العام، ذلك لأنه وبينما يجب أن يكون الإتفاق على القيم و الأهداف المشتركة هادياً لعملية صياغة دستور دائم جديد للبلاد، سوف تساهم نصوص الدستور في عملية الإتفاق على هوية وطنية وتقوية الشعور بالإنتماء المشترك. يجب كذلك أن يخاطب الدستور الدائم قضايا العدالة الاجتماعية وعلاقة المركز بالهامش والفدرالية: القسمة العادلة للسلطة ولملكية الأرض و الثروات، خاصة الموارد المائية والبترول والغاز، و كذلك القضايا الخاصة بالمسآءلة السياسية و احترام سيادة حكم القانون، الفصل بين السلطات واستقلال القضاء. يجب النص على إحترام المباديء العالمية لحقوق الإنسان و الحريات الفردية وأن تعتبر جزءً لايتجزأ من الدستور، وان يتم التشديد على أن تتفق جميع القوانين ولا تتعارض معها.

يجب القيام بعملية إصلاح قانوني شامل وأن يتم تأسيس مفوضية للاصلاح القانوني لهذا الغرض. هناك أجزاء هامة من النظام القانوني تحتاج إلى عملية إصلاح فورية وتشمل القانون الجنائي ومؤسسات تطبيقه والقانون التجاري وقوانين الأراضي. توصي الوثيقة أيضاً، من بين أشياء أخرى عديدة، بإصدار قوانين للفحص والتدقيق و التطهير من أجل تأكيد صلاحية الأفراد الذين خدموا تحت النظام الحالي لتولي المناصب السياسية، في الخدمة العامة، او القضاء في السودان الجديد. و تقترح كذلك إصلاح قوانين الانتخابات وتبني نظام التمثيل النسبي.

توصي الوثيقة أيضاً بإعادة بناء و إصلاح السلطة القضائية من أجل ضمان إستقلاليتها و فاعليتها وتشكيل محكمة دستورية جديدة تكون مؤهلة للقيام بالرقابة على أعمال و قرارات الحكومة الإنتقالية بالإستناد الى مباديء الحكم الرشيد المتفق عليها.

تقترح الوثيقة أيضاً، وذلك ضمن توصيات أخرى كثيرة، إصدار قوانين وبناء آليات العدالة الإنتقالية المناسبة من أجل الوصول الى تحقيق العدالة ووضع حد لغياب المسآءلة وحالة الافلات الدائم من العقاب ولتحقيق التصالح بين مختلف المكونات الإثنية في البلاد. ويشمل ذلك جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية و الاستيلاء على الموارد العامة للدولة. توصي الوثيقة بأن يتم إستخدام آليات المحاسبة الدولية و الإقليمية الموجودة حالياً لضمان خضوع أعضاء و قيادات النظام الحالي للمسآءلة عن الانتهاكات التي ارتكبوها.

التغيير الهيكلي و الإدارة الاقتصادية

استمر النظام الحالي ومنذ مجيئه للسلطة في 1989، يتبنى بشكل كامل آيديولوجية الليبرالية الجديدة في الاقتصاد، والتي تجسدت في التبني الكامل لمايسمى ب “برامج الإصلاح الهيكلي” التي ابتدعها تحالف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقد تم الترويج لجوهر هذه الآيديولوجية و تقديمها لعامة الشعب على انها تتسق مع القيم والتعاليم الإسلامية، إن لم تكن مستمدة منها. وهي سياسات هدفت لإثراء وتمكين الأقلية المسيطرة وإفقار الغالبية المهمشة لذلك لم تشتمل على أي مضمون اجتماعي يُذكر.

توقفت الوثيقة أيضاً أمام واقع الإهمال الذي عانت منه القطاعات المنتجة خاصة الزراعة والصناعة منذ بداية او ربما قبل فترة النفط (المرض الهولندي). بالنسبة للزراعة التى تمثل 45% من الناتج المحلي الإجمالى ويعمل بها أكثر من 70% من القوى العاملة، حدث إهمال وسوء إدارة من قبل الحكومة للمشروعات الزراعية المروية الكبيرة كمشروعي الجزيرة و الرهد. وكانت محاولات الخصخصة بصورة عامة بعيدة جداً عن الضوابط المطلوبة وهدفت لإثراء وتمكين قيادات الحزب الحاكم وحلفائه، و ذلك من خلال بيع الممتلكات العامة بأسعار متدنية جداً عن أسعار السوق.

توقفت الوثيقة أيضاً أمام ظاهرة سيطرة اقتصاد الظل الذى تديره الأجهزة الأمنية. تضع بعض التقديرات حجم اقتصاد الظل فى حدود 65 بليون دولار، أي ما يعادل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الذى يبلغ 94 بليون دولار (حسب القوة الشرائية لعام 2014). لقد ظل اقتصاد الظل هذا يلعب دوراً رئيسياً فى تمكين الحزب الحاكم وتطويل فترة حكمه، ومن ثم معاناة غالبية السودانيّن. ونتيجة لهذه السياسات الاقتصادية الخاطئة وسياسة التمكين الإسلاموية وتفشي الفساد بصورة غير مسبوقة وصلت البلاد حالياً أو كادت الى مرحلة الانهيار الاقتصادي الكامل.

في مواجهة هذه الخلفية، تطرح الوثيقة منهج التخطيط الاقتصادي وتدخل الدولة لإدارة الاقتصاد. وهو ذات النهج التقليدي الذي كان سائداً فى مجال الفكر التنموي في معظم البلدان النامية حتى ثمانينات القرن الماضي وقبل سيطرة مايسمى ب “برامج الإصلاح الهيكلي” التي ابتدعها تحالف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. و كان هذا النهج مدعوماً بشكل كبير بنظريات وأطروحات رواد علم اقتصاديات التنمية. وحسب ما جاء في الوثيقة، فإن إدارة الاقتصاد الكلي في الدول النامية المنفتحة اقتصادياً يجب أن تسترشد بالاعتبارات الآتية: (I) منهج تخطيطي: “يجب أن يتم تطوير سياسة الاقتصاد الكلي ضمن إطار منسق حتى تكون الإدارة المالية و النقدية و إدارة أسعار صرف العملات و إدارة تدفقات رأس المال متسقة مع بعضها؛ (II) يجب إعطاء أولوية للنمو الاقتصادي و إستقرار الأحوال المعيشية و توفير فرص العمل، و يجب عدم تهميش هذه الأهداف او استبعادها من دائرة الإهتمام من خلال التركيز الأحادي المتشدد على استقرار الاقتصاد الكلي والسيطرة على التضخم المالي؛ و ‪(III‪) هدف سياسة الاقتصاد الكلي: ليس معنياً فقط بإجمالي معدل النمو الاقتصادي، وإنما أيضاً و هو الأهم بنمط ذلك النمو: بمعنى توزيع منافعه بطريقة عادلة على مختلف شرائح المجتمع. ويعني ذلك باختصار ، إعادة طرح جوهر السياسات التنموية لعقدي الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، مع الأخذ بعين الاعتبار التغييرات السياسية والاقتصادية التي شهدها عالمنا فى الستين عاماً الماضية أو ما يقاربها، والتي تشمل التغييرات التي اتت بها الموجة الثالثة للعولمة و اندلاع الأزمة المالية العالمية.

إصلاح النظام التعليمي

لم يكن للنظام التعليمي في السودان، منذ الاستقلال، أي أهداف وطنية منفصلة عن أهداف الحاكمين: استمرت النخبة السياسية المسيطرة توظف التعليم كأداة لخدمة أجندتها الآيديولوجية وطموحاتها السياسية. لقد شخصت الوثيقة جذور أزمة التعليم الموروثة في السودان، فالنظام التعليمي لم يكن ابداً مشروعاً للتنوير والحداثة و تحرير العقل، وتطوير القيم الحديثة التي تدعم البناء الوطني، احترام التنوع الثقافي والديني، التسامح واحترام الاختلاف، الديمقراطية وحقوق الإنسان و العدالة والمساواة والحرية والكرامة وعدم التمييز والنهوض والتقدم ومواكبة التطور العلمي السريع..إلخ. لقد ظل التعليم في السودان، و على النقيض مما ذُكر، أداةً لخلق طبقة من النخب “الأفندية” الأنانية و المطيعة للنظام و التي تعطل عندها العقل النقدي وروح الابتكار والتغيير وصار إهتمامها يتمحور حول خدمة ذاتها. لذا فإن سياسات النظام الحالي الرامية الى أسلمة وأدلجة النظام التعليمي ليست سوى تتويج لسياسات أسلمة وتعريب التعليم التي تم تبنيها منذ الاستقلال.

قام النظام الحالي مدفوعاً بآيديولوجية أسلمة المجتمع بإجراء تغييرات واسعة في الأهداف التربوية والمناهج التعليمية والسلم التعليمي لجهة توافقها التام مع أجندة الإسلام السياسي. أدى ذلك إلى تخريب النظام التعليمي وخلق منهج تعليمي مؤدلج وضعيف معرفياً يقوم على الحفظ والتلقين ولا يشجع على التفكير النقدي والابتكار، ويتم أيضاً بموجبه غرس أفكار التطرف وعدم التسامح و الاعتراف بالآخر و حقه في الاختلاف التي تشكل عصب فكر الأخوان المسلمين فى التعليم العام. وكما جاء في الوثيقة، لقد كان الهدف من غرس الآيديولوجيا الإسلاموية فى عقول الطلاب واضحاً وهو جعلهم منسجمين مع النموذج عبر تحويلهم الى جمهور مستسلم يفتقد المقدرة على التفكير النقدي حول مسائل الحكم او تحدي سياسات النظام. وهناك أيضاً بعض الجامعات مثل جامعة أمدرمان الإسلامية وجامعة إفريقيا العالمية التي تعتبر جزءً من خطة إسلاميي السودان لوضع كامل البلاد تحت سطوة آيديولوجيا الأخوان المسلمين، وتم إنشاءها أساساً بهدف غرس التطرف الديني في عقول الشباب. ترى الوثيقة إن إحدى أهم الخطوات التي يجب القيام بها فى إطار مهام إصلاح التعليم في السودان الجديد هي إعادة تنظيم هاتين الجامعتين اللتين تنشران الأصولية في داخل السودان و كذلك في كامل الإقليم.

وكجزء من سياسة إضعاف مستوى وجودة التعليم العام، نجد أن السودان هو أحد أقل الدول الأفريقية إنفاقاً على التعليم حيث ينفق أقل من 2% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم. وبينما بدأ النظام التعليمي في التدهور نتيجة لنقص التمويل، ازدهر التعليم الخاص العام والعالي، وكانت نتيجة استراتيجية الإسلاميين التعليمية تعليم خاص لنخبة الإسلاميين والأثرياء المرتبطين بهم، وتعليم عام لبقية الشعب تحول الى مجرد دور حضانة.

يفرض هذا الواقع المزري ضرورة إعادة النظر الشاملة وإجراء تغييرات عميقة تشمل مختلف جوانب النظام التعليمي. فالتعليم الجيد هو أساس نهضة الأمم وتطورها وبدونه لايمكن لسودان المستقبل أن ينجح في تحقيق التنمية والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستدامة على المدى الطويل. تطرح الوثيقة رؤية شاملة لإصلاح النظام التعليمي تتضمن، من بين أشياء أخرى كثيرة، إعتماد منهج تعليمي جديد يعلي من مباديء الحرية و المساواة و الديمقراطية و يعبر عن حقيقة ان السودان يعد واحداً من الدول الأكثر تنوعاً في العالم.

تضمنت الوثيقة أيضاً خارطة طريق تفصيلية لإعادة بناء القطاع الصحي بعد التخريب المنهجي الذي طاله في ظل النظام الحالي، والذي سعى منذ أيامه الأولى وبصورة مدمرة الى تقليص حق أساسي من حقوق الإنسان كالحق في الرعاية الصحية وتحويله إلى سلعة من خلال سياسات الخصخصة. ترى الوثيقة أن عدد ضحايا خصخصة القطاع الصحي لا يقل عن عدد ضحايا الحروب. وتضمنت كذلك خارطة طريق تفصيلية لإصلاح علاقات السودان الخارجية بما يدعم العلاقات السلمية و التعاون و التكامل الإقليمي مع جيراننا، و كذلك توطيد السلم و الاستقرار على المستوى الدولي، وتعطي الألوية لبناء علاقة استراتيجية بين دولتي السودان و جنوب السودان المستقلتين.

في رأيي المتواضع، تعتبر هذه الوثيقة جهداً فكرياً نادراً وإضافة كبيرة، فهي حيصلة جهد جماعي كبير لعدد غير قليل من الخبراء السودانين في عدة مجالات استمر على مدار أربع سنوات. وقد خاطبت جذور الأزمات التي عطلت عملية إنجاز مهام البناء الوطني وبناء الدولة وتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخلقت واقع التهميش والإفقار والحروب وانقسام الكيان الوطني والانهيار الاقتصادي وسياسات القهر الثقافي. وطرحت الوثيقة عقداً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً جديداً وبرنامجاً للسياسات المستقبلية لما بعد تغيير النظام وتحقيق التحول الديمقراطي وبناء السودان الجديد: سودان التعددية الثقافية وحقوق المواطنة المتساوية والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية. من خلال إعطاء هذه الوثيقة الإهتمام الذي تستحقه والتفاعل النقدي معها من قبل المهتمين والناشطين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية يمكن تطويرها لتكون بمثابة وثيقة وطنية مرجعية للسياسات البديلة لمرحلة ما بعد ذهاب النظام الحالي.

 

طالع الجزء الاول على هذا الرابط :

https://sudanjem.com/2018/09/%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%B9%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%8C-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%88%D8%AB%D9%82/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *