بزة الدكتور جبريل إبراهيم العسكرية… عندما تتوافق الشعارات مع الأفعال

بقلم: حسن إبراهيم فضل
في البدء أزجي خالص الدعوات للأسود القابضين على الزناد في صفوف الشرف الامامية بالثبات والمغفرة والقبول لم غادرنا جسديا ,معبدا الطريق نحو سودان الغد الذي يعمه السلام والمنعة ,وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين وعودا حميدا للمفقودين, والتهنئة بالانتصارات الباهرة التي حققها الابطال في مسارح العمليات المختلفة وتهنئة خاصة للرمز الذي افردنا له هذا المقال على الرغم من ان شهادتنا فيه مجروحة غير ان الحديث سينصب جله فيما لا تخطئه الا تلك الرمداء او التي تكره الحقيقة التي علمتنا ان لا سوي يستطيع ان يكرهها (علمتني الحقيقة ان اكرهها فما استطعت).
اعتاد الشارع السوداني والعالم ان يرى الدكتور جبريل رئيس حركة العدل والمساواة السودانية ووزير المالية ببزته العسكرية التي أصبحت سمة مميزة له في خضم خوض شعبنا غمار معركة البقاء, والذي يعتبر الدكتور جبريل ومؤسسة العدل والمساواة احد اهم الفاعلين فيه ( سلماً وحرباً )!! نعم سلما فقد كان الرجل لاعبا أساسيا مهما مع اخرين في المساعي الحميدة التي كانت تجري للحيلولة دون وقوع هذه الحرب وظل محتفظا بمساحة وزمنا لأكثر من سبع اشهر املا في ان يرعوى أولئك المستخدمون من الخارج ليجنبوا بلدنا الحريق ,غير ان مثل اهلي العزاز قد صدق فيهم :(الحسنة في المنعول كالشرا في القندول), فكانت الضفة الأخرى في السادس عشر من نوفمبر 2023 المحطة والانطلاقة حين تحدث الرجل ورفاقه (الموراليون) في ذلك اليوم المشهود ,وكما يقول افلاطون ( الحكماء يتحدثون لان لديهم ما يقولوه اما الأغبياء يتحدثون لانهم يريدون ان يتحدثوا ).
وعندما امتشق الدكتور جبريل بزته العسكرية كان لديه ما يفعله , فهي ليست مجرد زي يختاره رجل في موقع سياسي، وليست تفصيلا عابرا يمكن قراءته بمعزل عن مسيرة الرجل ومواقفه , فحين ينتظم الدكتور جبريل ظهوره بالبزة العسكرية، فإن وراء ذلك رسالة تتجاوز المظهر إلى المعنى، وتتصل بصورة مباشرة بمفهومه للالتزام والمسؤولية والانتماء إلى قضية آمن بها طويلا متخطيا كل المظاهر وهو وزيرا للمالية وقائدا لفصيل سياسي وعسكري فاعل قد يرى البعض غرابة في الامر غير ان الامر لا يكمن في البزة ذاتها، وإنما في ما ترمز إليه ,فالدكتور جبريل رجل مبادئ قبل أن يكون رجل منصب والبزة العسكرية بالنسبة إليه تبدو أقرب إلى تذكير دائم بأن المواقع الرسمية لا ينبغي أن تُنسي صاحبها جذور القضية التي جاء من اجلها ولا الرجال الذين قدموها رخيصة دفاعا عن القضية والمشروع ولا التضحيات التي دفعت الحركة ثمنها عبر سنوات طويلة من النضال المستمر.
ان ابتسامة الرجل الساحرة لا تخفي إحساسا بالآخرين فحسب، وإنما تكشف أيضا عن ان الرجل يتعامل مع المعطيات المحيطة به بإيمان وثقة، وبنفس راضية، دون ضجيج أو شكوى أو انتظار أن تأتي المعجزات، ببساطة يتعامل مع الواقع كما هو، ثم يحاول تغييره وهي ذات السياسة والحكمة التي جعلت الدولة السودانية ان تقف على عمد من جديد عندما أشار ان الشرق هو الملاذ وطابية الدفاع عن عزة الشموخ.
ومن المهم ألا ننسى الدور الذي لعبه الدكتور جبريل إبراهيم وعدد من قيادات حركة العدل والمساواة السودانية، ومن بينهم الفريق الوزير/ أحمد آدم بخيت، في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الدولة السودانية ,عندما اختلت مؤسسات الدولة بفعل الحرب وعندما تمددت مليشيا الدعم السريع واستباحت مساحات واسعة من البلاد لم يعد السؤال متعلقا بمن يملك أفضل خطاب سياسي، وإنما بمن يستطيع أن يحافظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة وأن يمنع انهيارها الكامل وفي تلك اللحظة برزت بورتسودان باعتبارها العاصمة المؤقتة ومركزاً لإدارة مؤسسات الدولة ,وهنا لا ينبغي النظر إلى اختيار بورتسودان باعتباره مجرد إجراء اضطراري فرضته الحرب ,لقد كشفت الحرب حقيقة أكبر أن السودان لا يمكن أن يُدار بعقلية المركز وحده، وأن شرق السودان ليس مجرد منطقة تستضيف الحكومة حين تضطرها الظروف إلى مغادرة الخرطوم.
إن عودة الأمن والاستقرار إلى الخرطوم يجب ألا تعني أن تعود بورتسودان إلى موقعها السابق وكأن شيئاً لم يحدث بل ربما تكون الحرب قد منحت السودان فرصة تاريخية لإعادة اكتشاف الشرق ,فالشرق بأرضه وبحاره وموانئه وموارده وموقعه الاستراتيجي، يستحق أكثر من أن يكون مجرد ملاذ مؤقت للحكومة أو محطة اضطرارية في زمن الحرب ,وأهل الشرق يستحقون الإنصاف، ليس لأنهم احتضنوا مؤسسات الدولة في أصعب لحظاتها فحسب، وليس لأنهم وقفوا إلى جانب الدولة عندما كانت مهددة بالانهيار، وإنما لأن الشرق جزء أصيل من السودان، ولأنه يمتلك من المقومات ما يجعله قادراً على أن يكون أحد أهم محركات الاقتصاد السوداني في المستقبل وبورتسودان تحديداً يجب ألا تكون مجرد مدينة يعود إليها الجميع عندما تضيق الخرطوم بل ينبغي أن تكون مدينة ذات وزن اقتصادي واستراتيجي دائم ,مدينة يُعاد إعمارها وتطويرها وتوسيع مينائها او قل موانئها وبنيتها التحتية، وتربط بشبكات حديثة من الطرق والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية، لتصبح بوابة السودان إلى العالم.

نريد ان نرى بورتسودان مدينة لا تقل أهمية في الإعمار والتطوير عن أي مدينة ساحلية وميناء مهم في العالم وان يتحول موقعها على البحر الأحمر إلى فرصة استثمارية كبرى للسودان.
في نهاية المطاف قد يختلف الناس حول الدكتور جبريل إبراهيم، وقد يختلفون مع حركة العدل والمساواة في مواقفها السياسية أو خياراتها، وهذا حق مشروع في الفضاء العام ولكن الإنصاف يقتضي أن نقرأ الأفعال مقرونة بالشعارات فالبزة العسكرية التي يظهر بها الدكتور جبريل ليست هي القضية في حد ذاتها القضية هي هل الرجل ما زال يحمل في داخله الإيمان بالقضية التي ناضل من أجلها، وما إذا كانت مواقفه اليوم امتداداً لما كان يقوله بالأمس وحين تتوافق الشعارات مع الأفعال يصبح المظهر جزءا من الرسالة لا مجرد مظهر ولعل سر بزة الدكتور جبريل إبراهيم يكمن هنا في أن الرجل ما زال ملتزما بشعار المحطة الجامعة التي حملته عظم المسؤولية حين ترجل الفارس المغوار مؤسس العملاقة وحين ظن المرجفون العدل والمساواة المؤسسة سوف لن تنهض من كبوتها ولكن في كردفان الغرة ,العرين الذي انجب ود البليل ورفاقه الميامين في الحديات الصمود حين كان الشعار( قسما سنكمل المسيرة ) فكان الدكتور جبريل إبراهيم القوي الأمين الذي لم يخزل الرفاق ولا القضية ولعل السودان وشعبه محظوظا به.
و في ختام هذه السطور نقول للدكتور جبريل قولنا الذي سوف لن يكون قولا بل سنعينه عليه فعلا وقولنا هو : انت اليوم وضعت نفسك وكما العهد الذي قطعته على نفسك والشعب أمام واحد من أكبر الاختبارات في حياتك السياسية أن تثبت أن العدالة والمساواة التي رفعته شعارا ومشروعا ينادي ببناء دولة عادلة ومتوازنة ،ندعوك الا تترك الشرق على هامشها، وألا تدير الخرطوم ظهرها للثغر الصامد الصابر، ولا تنظر الخرطوم إلى أقاليم السودان باعتبارها مجرد خزانات أصوات أو ساحات حرب ولكن يجب ان نخوض حرب المليشيا بلا هوادة وفي ذات الوقت يجب ان تكفكف دموع الشرق الكبير ويجب ان ترد لها التحية بأحسن منها.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *