رسالة إلى وفدي المسيرية ودينكا نقوك :كلمة السر إسمها التعايش السلمي ! .. بقلم: فضيلي جمّاع

تعودنا من الإعلام ذي الإتجاه الواحد ، أنّ تسليط الضوء على الأحداث في بلادنا لا يخضع للسبق الصحفي ولا على مقدرة الصحافة في اختراق صحافييها للحواجز ومنطقة الخطر لينتزعوا الخبر من الغرف المغلقة أو من مناطق النزاع الملتهبة وعرضه عبر التحليل الموضوعي للقارئ/المشاهد / المستمع. هذا يحدث للإعلام الحر ! تنتظر الصحافة في بلادنا أن يؤذن لها بما يجب أن يقال وكيفية قوله. وطبعاً كان دائماً هناك صحافيون وصحافيات تنضح قلوبهم بحب الوطن والحقيقة ويمتازون بقدر من الشجاعة يحسدون عليه. وهؤلاء يدفعون أو تدفع صحفهم دائما ثمن الخروج على صغار الآلهة!

قادني إلى هذه التقدمة المقتضبة مرور خبر اجتماع القيادات الأ

هلية لبوابة من أهم بوابات السودان إلى داخل القارة السمراء مرور الكرام . وأعني اجتماع القيادات الأهلية لقبيلتي المسيرية ودينكا نقوك الذي شهدته العاصمة الأثيوبية أديس أبابا من الثالث عشر إلى الخامس عشر من هذا الشهر . إنّ ما يعرف بملف ابيي في دروب السياسة السودانية ورمالها المتحركة على مدى عقود كان ولا يزال – حتى بعد انفصال الشق الجنوبي للوطن – حجر الزاوية للإستقرار في الوطن كله. أقول هذا لأسباب أوجزها في الآتي:
1- امتدت حرب المركز مع ثوار جنوب السودان طوال نصف قرن – مع استراحة عشر سنوات (اتفاقية اديس ابابا 1972-1982)، لتستمر الحرب حيث كانت النتيجة انفصال الجنوب وقيام جمهورية جنوب السودان. ومنذ الستينات حتى كتابة هذه السطور ظلت هذه المنطقة وأهلها موضع نزاع تتم فيه المواجهة بحروب أهلية تتم بالوكالة بين الشمال والجنوب. راح ضحية هذا النزاع وهذه الحروب بالوكالة عشرات الآلاف من كل الأعمار. فالطلقة حين تخرج والرمح حين ينطلق لا يميزان بين طفل وشيخ وبين رجل وأمرأة.

2- هذه المنطقة ظلت وستظل دائما عنوانا للتعايش بين ثقافتين عربية هجين (بسبب الهجرات) وأفريقية محلية. وتظل أنموذجاً للتعايش في سبل كسب العيش بل واختلاط الألسن والأرحام والأنساب. يتحدى كاتب هذا المقال أن يقف واحد من أبناء المسيرية من الميرم في غرب المنطقة حتى لقاوة والبردية في شرقها لينفي جريان مقدار من دم الدينكا أو الداجو أو النوبة في عروقه. هذه المنطقة لا تملكها منفردة إثنية من الإثنيتين الكبيرتين : المسيرية أوالدينكا. ولا تستطيع إحداهما أن تقذف بالأخرى خارج أرض شهدت تعايشاً دام فوق الثلاثة قرون.

3- هنالك يعاقبة ومتطرفون من الجانبين لا يعجبهم ما أكتبه وما أعرفه جيدا عن النزاع وخلفياته ودعوتي إلى أنّ “التعايش السلمي” هو كلمة السر التي تمنح الطرفين الحياة الطيبة والرفاه والتعليم والصحة سواء قرر الإخوة نقوك أن يحملوا جنسية جمهورية جنوب السودان أم البقاء ضمن حدود جمهورية السودان (وهم بالطبع أحرار أن يقرروا بإرادتهم ما يشاءون). إلا إن هناك حقيقة واحدة أعرفها ويعرفها الكل وهي أن انضمامهم للشق الجنوبي للوطن لا يعني طرد المسيرية بقضهم وقضيضهم وبملايين رؤوس الماشية من المنطقة التي سكنوها منذ القرن الثامن عشر. يقول هندرسون أنّ المسيرية تحركوا من مملكة وداي شرقاً (إلى حيث موقعهم الحالي) غالباً في العام 1775م. والخواجة هندرسون حين كتب شهادته هذه ونشرها لم يكن يعلم علم الغيب أنه سيأتي يوم يقف فيه العشيرتان اللتان عاشتا لقرون معاً موقف الحرابة وتوق كل منهما ليقضى على الآخر.
Hunderson, The migration of Messiria tribe into South West Kordofan. P.49)

4- يكسب حدث اللقاء بين وفدي المسيرية ودينكا نقوك أهميته في مجريات السياسة السودانية بأنه ولأول مرة منذ مقتل السلطان كوال ادول (كوال دينق مجوك) أن يلتقي زعيما العشيرتين: الناظر مختار بابو نمر والسلطان بلبك دينق مجوك ويجلسا معاً على طاولة واحدة. يتبادلان الكلمات الطيبة بل يتناولان الشاي والقهوة معاً. ويحدث نفس الشيء لوفديهما.. حدث هذا قبل خمسة أيام مضين في عاصمة الجارة الشقيقة أثيوبيا. شكرا للإتحاد الأفريقي وشكرا للجارة الناهضة أثيوبيا. فقد ظلت لعقود الحضن الذي يجمع أبناء السودان الكبير بشقيه متى تاه عليهم الدرب وأختاروا أكثر وسائل الحل تخلفا- أعني الحرب. ظللت على تواصل مستمر من قبل إقلاع الطائرة التي أقلت وفد المسيرية من مطار الخرطوم وحيال وجود الوفدين في أديس حتى عودتهم – أجزل النصح ما أمكنني. ونصيحتي تصب في أن اغتنام أي فرصة لإحلال السلام الأهلي بين المسيرية والدينكا وإرساء دعائم التعايش يعني ضمان مستقبل الأجيال القادمة من أبنائنا وبناتنا.

5- إن الحرب بالوكالة التي قام بها الطرفان في طريقها إلى النهاية ، فليس هناك من أمم تعيش وسط الحروب في قرننا الواحد والعشرين إلا الشعوب المتخلفة. أغرقت حكومات زمن الغفلة في شقي السودان هذه المنطقة بالسلاح ..والسلاح حين يكون في أيدي الغاشي والماشي فإن وظيفته معروفة: القتل والدمار ! إنني أراهن على الشعوب ولا أراهن على حكومة ولو ملأت الشوارع بمكبرات الصوت داعية إلى السلم. الشعوب كانت وستظل هي التي تصنع السلم وتصنع الثورات. أراهن على وفد الإدارات الأهلية ولي أمل كبير في أنهم – وهم الذين اكتووا بويلات الحرب والمجاعة- يعرفون كيف يصنعون السلام كما صنعه اجدادهم ومن بعدهم الآباء.

6- رسالتي الأخيرة لمعسكر التطرف والكراهية في الجانبين: لن يأتيكم الحل من الخرطوم أو جوبا. ولن يحل مشكلة ما عرف بملف ابيي برتوكولات يتم هندستها في “ودرو ويلسون” و”شتام هاوس ” وغيرها من مؤسسات صنع السياسات الخارجية لبلاد أجنبية.. في العشيرتين من الأجيال الجديدة رجال ونساء يعرفون الشاردة والواردة ويفهمون ماذا تعني الحرب وماذا يعني السلم. يعرفون ماذا يعني أن نحتكم للمعطى التاريخي وللإرث الثقافي في حل مشكلاتنا نحن أبناء هذه المنطقة التي هي بوابة العبور من شمال القارة إلى عمقها. هذه المنطقة هي المعبر الوحيد اليوم من جنوب السودان إلى شماله بكل أريحية وسلام. بل حلت اسواق السلام في أميت (النعام) وفيض الزراف كثيرا من احتياجات اخوتنا في بحر الغزال بل وفي جوبا نفسها.

وأخيرا: حين حاول شرطة وأجهزة أمن النظام السوداني منع أبناء وبنات دينكا نقوك السفر إلى النهود والأبيض والخرطوم طار الناظر مختار بابو نمر إلى الخرطوم محتجاً على هذا القرار باعتبار أن دينكا نقوك سودانيون ومن حقهم السفر حتى وادي حلفا وبورتسودان دون حاجة للإذن من أحد. وقد كان له ما أراد. واليوم هناك المئات من أبناء أبيي يترحلون عبر المجلد وبابنوسة والفولة دون أن يمسهم أحد. بل إن بيوتاً من أبناء المجلد يعيش فيها اليوم إخوة وأخوات من أبناء أبيي حلوا ضيوفا كما تجري العادة لحين يتيسر لهم الطريق.

سنقول شهادتنا للتاريخ ..فليس هناك من أحدٍ نعده وصياً علينا. ولدتنا أمهاتنا أحراراً وعلمنا آباؤنا ألا نحني جباهنا إلا للواحد الأحد. هذه مجرد تحية ورسالة محبة للطرفين في وفد العشيرتين. ونقول للناظر مختار بابو وللسلطان بلبك دينق وللعمدة نيول فقوت والناظر عزالدين حريكة عز الدين والعمدة يحي جماع والعم بشتنة محمد سالم رئيس لجنة العرف وكل الرجال الميامين من الطرفين بأننا نحملكم مستقبل وحياة الأجيال القادمة من أبناء وبنات المنطقة. فاختاروا أحد اثنين: أن تفخر بكم الأجيال القادمة أو أن تلعنكم ويلعنكم التاريخ. اللهم هل بلغت ..اللهم فاشهد.

فضيلي جماع
سوداني من أبناء المنطقة

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *