أدب السيرة الذاتية ومذكرات السفير عطاء الله

بقلم: صلاح شعيب
أطلعنا في العقدين الأخيرين عددٌ من مؤلفي السيرة الذاتية، أو المذكرات الخاصة، على تجاربهم في الحياة. هذا الضرب من الكتابة شحيح في تاريخ الكتابة السودانية، وتكاد الكتب التي تناولت تاريخ الرموز تعد على أصابع اليد. أكثر من ذلك أن هذه الكتابات التي وقفنا عليها تقع بين منزلتي التناول لسيرة الكاتب الخاصة ودوره في العمل العام. وقليلة هي كتب السير الذاتية التي سطرها مؤلفون عن رموز بالقياس للمؤلفات الأخرى. وهناك محاولات من بعض الصحافيين، والكتاب، سعت لسرد سير ذاتية لرموز رحلوا، وإن تركز معظمها على أعمالهم المتصلة بالشأن العام. ولكن المهم أنه توفر لنا مزيج من أدب يأخذ من روح كتابة السيرة الذاتية، أو يقترب من صراحة المذكرات، أو طابعها. وقد يحتاج الأمر لباحث لتصنيف هذه الكتابات، ومقاربتها، م

ع نماذج السيرة الذاتية التي عرفتها الأكاديمية الغربية الحديثة، إذ تطورت الكتابة حولها بشكل ساهم في الإصلاح الفكري، والسياسي، أو الاجتماعي. ولكن لدواعي فكرة المقال المركزية دعونا نؤمن أن هناك كتبا، أو مقالات، تناولت الخاص والعام في المشاهد الحياتية لبعض شخصيات المجتمع المميزة، والتي أدت دورا مفصليا في تاريخنا الوطني.
الحقيقة أن هناك اختلافا كبيرا حول تاريخ كتابة السيرة الذاتية بالطريقة الذي تعارف عليه مجتمعنا الإنساني. فجودت هوشيار يقول إنه “ما زال الغموض يكتنف نشأة وانتشار ظاهرة كتابة اليوميات والمذكرات الشخصية والسير الذاتية، فالأدبيات الغربية تؤكد بأن القديس سانت أوغسطين (354 – 430)م، كان أول من كتب سيرته الذاتية وتحدث فيها عن تأثير الدين في حياته الخاصة، قبل أن يتبلور هذا الفن ويتحول إلى جنس أدبي مستقل على يد جان جاك روسو (1712 – 1778)م في كتابه « اعترافات» وكان روسو يدرك تماما أنه أول من كتب هذا الجنس الأدبي في قالب فني متكامل حين كتب يقول «أنا أفعل شيئأ لم يفعله شخص قبلى ولن يقدر شخص بعدي على تقليده «ولكن بعض الباحثين العرب يشير الى أن هذا الفن نشأ في الفكر العربي قبل أن يكتب « روسو» اعترافاته. صحيح أننا نجد في التراث العربي بعض السير الذاتية مثل» رسالة حنين بن أسحق « ( 809 – 819)م و» المنقذ من الضلال» للإمام الغزالي ( 1058 – 1111)م و» التعريف بأبن خلدون ورحلته شرقاً وغرباً «(1332 – 1406)م، ولكن الثقافة العربية لم تعرف كتابة المذكرات الشخصية والسير الذاتية كجنس أدبي شائع وقائم بذاته إلا مع النهضة العربية الحديثة…”.
في السودان، يرى باحثون أن كتاب “الطبقات” لمحمد النور ضيف الله يمثل أيضا نوعا من المذكرات التي تحكي عن فترة دولة الفونج، بل يعد الكتاب من مصادر الكتابة السودانية الوحيدة التي لا غنى عنها لفهم تشكل بعض الوعي الجمعي السوداني في تلك الفترة. ولاحقا ترجمت مذكرات لموظفين بريطانيين ورحالة عرب، نذكر منهم سلاطين باشا، والتونسي، إلى أن وصلنا إلى عصر بابكر بدري الذي غذى المكتبة السودانية بمصدر للتاريخ مهم حول فترة المهدية، وما تلاها. وتوالت الكتابات عاصفة حتى وقفنا على مذكرات الأزهري، والمحجوب، وأحمد خير، وصولا إلى مذكرات زين العابدين محمد أحمد زين العابدين. وكل هذا غيض من الإرث الشحيح لكتابات جعلت من السيرة الذاتية هدفا للتقصي، والمراجعة، والاعتبار. ولا بد أن هذا الشح في هذا المضمار نجم من أزمة النشر التي لازمت الكتاب لفترة طويلة، فضلا عن غياب الاستقرار في الحقول المتصلة بالكتابة، وفوق كل هذا وجدنا أن جيل الآباء المؤسسين كان يفضّل الشفاهة على التدوين لظروف تتعلق بالطبيعة المحيطة بالشخصية السودانية.
-2-
إن الإنسان بطبيعته حينما يكتب، أو يتحدث، عن نفسه، فإنه كثيرا ما يسعى إلى إظهار بطولاته أكثر من نقد ذاته. وهذا ما جبلت عليه مادة السيرة الذاتية في نسختها السودانية المقروءة حتى الآن، على الأقل. ونادرا ما نجد مراجعة نقدية صارمة، وصادقة، لعمل المؤلف، أو اعترافا بأخطائه التي ربما ساهمت في جلب أضرار بالغة على صعيد الممارسة السياسية، أو الاجتماعية. وهكذا قد يجد القارئ متعة السرد في المذكرات التي تخلو من تبيين الحقائق كما هي، بل يرى دفاعا عن الأخطاء إن لم ير تشويها لحقائق مرحلة معينة من مراحل تاريخ البلاد.
في الآونة الأخيرة ثار جدل كبير بعد صدور مذكرات الدكتور عطا الله حمد البشير، والذي تناول مرحلة عمله في الخارجية بالتوثيق، إذ كان من كبار دبلوماسييها المخضرمين. وقبله أصدر دبلوماسيون مذكراتهم عن تاريخ عملهم، وحاولوا أيضا نقد ما جرى في سياسة الخارجية بعد أن أصبحوا بعيدين عنها. وبناء على القراءات التي بذلها تلاميذ، وأصدقاء، وزملاء، وربما أقرباء، لكتاب الوكيل السابق للخارجية، يتضح لنا أن هؤلاء أفاضوا في مدح المؤلف، ومرحلته التي قضاها في الخارجية، وقد وضحوا لنا أهمية الكتاب والمجهود الكبير الذي بذله المؤلف لخدمة المكتبة السودانية. وعلى الجانب الآخر كان هناك كتاب، وإسلاميون سفراء، قد انتقدوا المؤلف، ولاموه على تجاهل التعامل المميز الذي أغدقه نحوه نظام البشير. الأكثر من ذلك أنهم سعوا إلى تحميل عطاء الله مسؤولية كل ما يراه وزرا خلقته سياسة الإسلاميين في الوزارة السيادية. وللأسف أن هؤلاء السفراء الذين كتبوا بعد المعاش عاصر معظمهم مجزرة الخدمة المدنية التي لم تستثن الخارجية. فعطاء الله نفسه يستشهد في كتابه أنه أثناء خدمته القيادية في الوزارة تخلصت الإنقاذ من 50% من كادر الخارجية المؤهلين. ولعه أراد بهذا التوثيق المذكراتي أن يدين النظام، ولكننا لا ندري هل أنه مارس نقدا مرا لذاته عبر الكتاب نسبة لمعاصرته هذه المجزرة، أم أنه فضل فقط إعفاء نفسه من اللوم؟.
إن كثيرا من مذكرات الدبلوماسيين لم توفق في ممارسة النقد الذاتي نسبة لتفضيلهم الاستمرار في عمل الخارجية التي اختطفتها الأيديولوجيا الإسلاموية. فحينذاك لم يبال السفراء غير الإسلاميين قط بالتضامن مع زملائهم المحالين للمعاش، أو بخطورة نهج النظام المؤدلج، والذي لا بد أن قد أثر على مهنية الدبلوماسي، وأضر بمصلحة البلاد إقليميا، وقاريا، ودوليا. فهؤلاء السفراء المثقفون احتفظوا بالوظيفة بينما كانوا يرون بأعينهم المعايير المهنية تنتهك عند التوظيف، والإحالة، وعند تقدير الموقف الدبلوماسي الذي ما كان لينبغي أن يتماشى مع مصلحة الإسلاميين فحسب. وبدا أن “الدبلوماسية الرسالية” التي اصطلح عليها الترابي واستشار فيها عطاء الله، كما قال الأستاذ خالد موسى، لم تكن إلا غطاءً لتملية مواقف أيديولوجية على السفراء، ولم تقم هذه الرسالية على قواعد مهنية، أو وطنية على الإطلاق. وحتما كان القبول ببدعة ما يسمى الدبلوماسية الرسالية هذه يعني باللازم تخلي الدبلوماسي عن تعقله المهني إزاء قياس المواقف الدبلوماسية الأحق بالاتباع، أو السير عليها. وهكذا كانت مفاضلة الدبلوماسي الذي بدا بحرصه الوطني اليوم قد مالت إلى الرضا بهذا التوجه الدبلوماسي المعيب من أجل الحفاظ على الوظيفة. ولذلك قال الأستاذ خالد موسى لأحد السفراء المحالين للمعاش: عيب أن تنتقد النظام بعد أن انتهت الدولارات! وقد صدق، ومرة أخرى انتقد عطاء الله وذكره بتدليل النظام له دون زملائه الآخرين، وقد صدق.
-3-
حين نشاغل أصدقاءنا الدبلوماسيين بضرورة تسجيل مواقفهم من النظام يردونا علينا في خاتم المطاف بأنهم موظفون ضمن جهاز الخدمة المدنية، ولذا تحتم عليهم الضرورة أن يصبحوا مطيعين للتوجهات العليا للسلطة الحاكمة مهما يكن قربها من مصلحة البلاد أم لا. وحين نذكرهم بمواقف السفراء صلاح أحمد إبراهيم أو علي حمد إبراهيم أو محمد المكي إبراهيم الذين قدموا استقالتهم وفضلوا الشارع بدلا عن خدمة نظام لا يؤمنون أخلاقيا بتنفيذ سياساته، ولكن يرد بعضهم أن هؤلاء مجرد مهنيين بينما مواقف السفراء المستقيلين استندت على مواقف حزبية، أو بدوا كأنهم نشطاء سياسيون. وكذلك جرت العادة أن يدافع الدبلوماسيون غير الإسلاميين بالقول إنهم ليسوا إلا “كرير”، أي أنهم مهنيون بالدرجة الأولى. وهذا يعني أن الموقف السياسي الشمولي للحكومة القائمة لا يعنيهم في كثير شئ، ما دامت تقاليد الخارجية سارت هكذا منذ الاستقلال، وعلى ذات منوالهم كان يسير الأستاذ جمال محمد أحمد، ومنصور خالد!، ذلك برغم أن منصورا لم يكن دبلوماسيا مهنيا، وإنما أتت به تعيينات مايو.
وصحيح أن الدبلوماسي مثله مثل أستاذ المدرسة الابتدائية، أو العامل في مصلحة الغابات، أو شناق السجن. فكلهم موظفون ضمن الخدمة المدنية. وقد يرى الدبلوماسيون أنه يتوجب ألا نعفي هذا العامل البسيط من موقفه السياسي حين نستفسر عن مواقفهم تجاه نظام البشير مثلا. ولكن المشكلة أن هناك دبلوماسيين عموما يصدرون من مواقف مثقفين، وأحيانا يدخلون في عرصات الكتابة بجلباب المفكرين. بعضهم ينفحنا بمقالات ثقافية، وفكرية، جيدة السبك عن كيفية السير نحو التقدم، وبعضهم ينورنا بما ينبغي أن تكون عليه هويتنا الثقافية في زمن الإسلام الأصولي. بعضهم يتناول الفكر الإنساني، والتضحيات، التي قدمها المفكرون قبل، وأثناء، الثورة الفرنسية، وقسم آخر يركز على دور الأدب الواقعي في التنمية البشرية. وبعض من هؤلاء الإخوة الأدباء من الدبلوماسيين العاملين في الخارجية الآن يحلقون ناقدين لأفكار رموز ما بعد الحداثة بلغة بديعة يجارون بها وزراء خارجية، وسفراء سابقين. إنهم في كتاباتهم هذه يتناولون تجاربهم مع الديكتاتوريين الأفارقة، ولكنهم “يحرنون” في النزول إلى سهل بلادهم لينورونا عن ديكتاتورييها الذين ساهموا في تدهور ثقافة وآداب وفنون السودان. إن الفكرانية السامقة التي يقارب بها هؤلاء الدبلوماسيون قضايا العصر تحلق حول كل موضوع ولكنها تفضل تجاهل قضايا بلادهم الجوهرية المرتبطة بالحكم.
وقد قرأت لدبلوماسي ما يزال خادما للبشير بحثا علميا محكما عن المفكرين العرب الذين قدموا أرواحهم في سبيل الفكر منذ عصر الحلاج حتى وصل إلى عصر فرج فودة. ولكنه لم يتذكر أن اغتيال هذا المفكر المصري تزامن مع اغتيال شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه. وقد عذرت هذا الدبلوماسي الكاتب فربما لم يكن لتجاهله أحد مفكرينا الشهداء علاقة بالخوف من أن يقرأ (بحثه العلمي) نافذون إسلاميون في السلطة. كل ما توقعته أن ذاك “الدبلوماسي الأديب أو المفكر” لم يضع حسابا لشهيد بلاده لأنه ربما رأى أن السودان يقع في نطاق الدول الأفريقية. ربما، ربما!. لا مناص من الصبر على المثقفين الدبلوماسيين الناشطين الآن في الخارجية فربما يكتشفون لنا يوما سر تدهور البلاد. ولهذا فما علينا إلا أن نقرأ مذكراتهم لنكتشف أن خدماتهم الجليلة للبلاد تزامنت مع الانحطاط العظيم لسياستها الخارجية والداخلية معا. إن شعب السودان يستحق بعض احترام من الدبلوماسيين الذين يطرحون أنفسهم مفكرين إصلاحيين أثناء خدمة البشير.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *