جبريل تحت النار.. بين شائعات تُربك المشهد وواقع يفرضه رجل المرحلة
بقلم: مجدي عثمان
في توقيت بالغ الحساسية، تتكثف الشائعات وتتصاعد الحملات الإعلامية التي تستهدف رموز الدولة التنفيذية، وعلى رأسهم الدكتور جبريل، في محاولة واضحة لخلق بلبلة ونسف ما تحقق من استقرار نسبي في المناطق المحررة من التمرد. هذه الحملات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التقدم الميداني، وتماسك الجبهة الداخلية خلف القيادة، وعودة المواطنين تدريجياً إلى ديارهم، وهي مؤشرات أربكت خصوم الدولة ودَفعتهم لنقل المعركة إلى فضاء الإعلام والتأثير النفسي.
ما يُبث تجاه قادة العمل المشترك، وعلى وجه الخصوص الدكتور جبريل، لا يبدو سوى محاولة للنيل من صلابة القرار الوطني. غير أن هذه الاستهدافات، رغم كثافتها، لم تُثنِ الرجل عن أداء مهامه، سواء في الجهاز التنفيذي أو في إدارة التحديات المرتبطة بحرب الكرامة، التي قدم فيها السودانيون تضحيات جساماً من الشهداء والجرحى والمصابين، ولا يزال آخرون ينتظرون العودة من الأسر، في مشهد وطني بالغ القسوة والتعقيد.
تولى الدكتور جبريل المسؤولية في واحدة من أسوأ مراحل الدولة السودانية منذ نشأتها الحديثة: مؤسسات مدمرة، اقتصاد منهك، مواطن مشرّد، وانتهاكات واسعة طالت الإنسان في أمنه وكرامته ومعيشته. في هذا السياق الاستثنائي، برز دوره في إعادة ترتيب ما يمكن ترتيبه، والمساهمة في تثبيت أحد أهم أركان الدولة، رغم ضيق الموارد وتشابك الأزمات.
وعند قراءة تجربته في وزارة المالية، لا يمكن فصلها عن الإرث الثقيل الذي ورثه من عقود من السياسات المتقلبة. فقد تعاقب على هذه الوزارة عدد من الأسماء البارزة منذ الاستقلال، من مأمون محمد بحيري، المؤسس الأول، مروراً بوزراء حقب مختلفة، وصولاً إلى تجارب متباينة في العهدين المايوي والإنقاذي، التي تأثرت بالحروب، والديون، والانفصال، وفقدان معظم الإيرادات. كلها عوامل راكمت اختلالات هيكلية عميقة.
في ظل هذا الإرث، يُحسب للدكتور جبريل قدرته على الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة المالي، وتصريف التزاماتها، والعمل على استقرار نسبي في سعر الصرف، رغم الضغوط الهائلة. وهي مهمة أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة، لا إلى إدارة اقتصاد مستقر.
غير أن المشهد لم يخلُ من تعقيدات إضافية. فمع تعيين رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وما رافقه من إعادة تشكيل في الجهاز التنفيذي، شهدت البلاد ضغوطاً اقتصادية جديدة، أبرزها اضطراب سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، إلى جانب توسع إداري أثار تساؤلات حول رشاقة الهيكل الحكومي في ظرف لا يحتمل مزيداً من الأعباء.
ورغم ذلك، يظل تقييم الأداء في هذه المرحلة مرهوناً بطبيعة الظرف الاستثنائي الذي تعيشه البلاد، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، والحرب بالإدارة، والواقع بالضغوط الخارجية. في هذا السياق، يبرز الدكتور جبريل كأحد الفاعلين الذين امتلكوا القدرة على التكيف مع التعقيد، والجمع بين الخبرة التخصصية والحضور السياسي والميداني.
إن المرحلة لا تحتمل تصفية حسابات ولا إضعافاً لمراكز القرار، بقدر ما تحتاج إلى تثبيت ما تحقق، ومنح مساحة للإصلاح المدروس، بعيداً عن الضجيج والشائعات. فالمعركة لم تُحسم بعد، وما بين الميدان والاقتصاد خيط دقيق لا يحتمل الانقطاع.
في النهاية، قد يختلف الناس في التقييم، لكن ما لا يمكن تجاهله أن إدارة دولة تحت الركام ليست مهمة عادية، وأن الحكم على التجارب في لحظات الانهيار يختلف جذرياً عن الحكم عليها في أزمنة الاستقرار. هنا فقط تتضح معادن الرجال، وهنا تُكتب فصول المرحلة.
جبريل تحت النار.. بين شائعات تُربك المشهد وواقع يفرضه رجل المرحلة بقلم: مجدي عثمان
