ٱصداء الوعي..
ادم ابكر عيسي..
ظاهرة المخدرات…. حربا خفية معركة كرامة! جرح العصر المخفي؟
في زمنٍ تتوارى فيه المعاركُ الحقيقيةُ خلف ستائرِ الصمت، تخوضُ أجيالُنا حرباً لا تراها الكاميراتُ ولا يُطلقُ فيها الرصاصُ إلا ليصيبَ الروحَ قبلَ الجسد. إنها حربُ المخدرات. تلك الظاهرةُ التي تُلبسُ التحررَ ثوباً وتُقدِّمُ الهلاكَ على طبقٍ من الوهم، وهي في جوهرها استعمارٌ داخليٌّ يستهدفُ جيلَ البناءِ والتطويرِ. في السودان، حيث تتقاطعُ حروبُ الهويةِ مع أزماتِ الاقتصادِ، يصيرُ الشبابُ عُرضةً لاستدراجٍ مُحكمٍ تُديرُهُ دولٌ إقليميةٌ ومنظومةٌ عالميةٌ، فتتحوَّلُ المادة إلى سجن والحريةُ المزعومةُ إلى عبوديةٍ صامتةٍ تنفرد جيلَ الغدِ من أجلِ بناءِ الوطنِ.
لا تنتشرُ المخدراتُ في فراغٍ، بل تسريُّ في شرايينِ المجتمعاتِ الهشةِ. نفسياً، يبحثُ الشابُ عن “الحدث” في حياةٍ تسيرُ بلا اتجاه، فيلجأُ إلى وعدٍ زائفٍ بالتجاوزِ (Transcendence) هرباً من “الوجودِ المُتعَب”، فيما هو في الحقيقة هبوطٌ نحو أعماقِ الذاتِ المُظلمة. اجتماعياً، عندما تتآكلُ الروابطُ القويةُ للعائلةِ والجيرانِ، يُقدِّمُ المخدرُ نفسَهُ رمزاً للانتماءِ الزائفِ في شبكةٍ اجتماعيةٍ مُدمِّرةٍ. ثقافياً، تتسللُ ثقافةُ الاستهلاكِ عبرَ المنصاتِ الرقميةِ لتُقدِّمَ المخدرَ ثورةً على المجتمعِ المُتَحَجِّر، فيما هي ثورةٌ على الذاتِ ومستقبلِها. وفي ظلِّ ضعفِ الدولةِ وتعددِ الجهاتِ المسلحةِ، تصيرُ الحدودُ ممراتٍ مفتوحةً للتهريبِ تتدفقُ فيها المخدراتُ كالنهرِ الجوفيِّ.
صحياً، المخدراتُ لا تُدَمِّرُ الخلاياَ فحسب، بل تُعيدُ برمجةَ الدماغِ نفسِهِ فتُنتِجُ تبعيةً عصبيةً تجعلُ المخدرَ علاجاً ومرضاً معاً، يتبعُها الاكتئابُ والقلقُ وذهانٌ يُفَرِّطُ في (الأنا المثالية) ويدفعُ صاحبَهُ نحوَ سقوطٍ حرٍّ في هويةٍ مُتَشَظِّية. اقتصادياً، يتحولُ الشابُ من رأسِ مالِ أسرتِه إلى عبءٍ عليها، وتتبخَّرُ “فرصةُ التكلفة( الهائلةُ), كلُّ جنيهٍ يُنفَقُ على المخدرِ هو جنيهٌ سُلِبَ من مستقبل. وعلى المستوى الوطني، يفقد السودان,” رأس المال البشري”,في وقتٍ يحتاجُ فيه إلى كلِّ يدٍ عاملةٍ وعقلٍ مُبدعٍ، فيصيرُ الجيلُ المُستهدَفُ “جيلاً مُفقوداً” (Lost Generation) تتعاظمُ خسارتُهُ مع تعاظمِ حاجةِ الوطنِ للبناءِ.
حربٌ خفية…الإدارةُ الإقليميةُ والعالمية..لا تُنتَجُ المخدراتُ صدفةً، بل تُديرُها “منظومةٌ عالميةٌ” تسيرُ بـ”منطقِ السوقِ”, في أبشعِ صورِهِ ,حيث الربحُ إلهٌ والبشرُ سلعةٌ. جيوسياسياً، تُستَخدَمُ أحياناً كـ”سلاحٍ ناعمٍ” لتدميرِ مجتمعاتٍ من الداخلِ، فتكونُ الدولُ غيرُ المستقرةِ. كالسودانِ ، ساحةً خصبةً لحربِ الأجيالِ التي تستهدفُ المستقبلَ قبلَ الحاضرِ. وهنا تتشابكُ معركةُ المخدراتِ مع معركةِ الكرامةِ الوطنية، إذ الكرامةُ ليستْ مجردَ عديم الذلِّ بل ،القدرةُ على بناءِ الذاتِ والمجتمع، والمخدراتُ ،بتدميرِها للشبابِ، تُدمِّرُ هذه القدرةَ فتُحوِّلُ الجسدَ السودانيَّ ساحةً لمعركةٍ لا يختارُها.
محاربتها معركةٌ لا تنفصلُ عن الكرامة..الأجهزةُ الأمنيةُ من الشرطةُ والجيش وجهاز الأمن والمخابرات والقواتُ المشتركة ، هي خطُّ الدفاعِ الأولُ في هذه المعركة. لكنَّ الشرطةَ الناجحةَ هي التي تبنيُ ،ثقةً مجتمعيةً، يكونُ فيها المواطنُ شريكاً لا عدواً، والجيشُ والقواتُ مكافحة المخدرات ،مطالبانِ بإغلاقِ الممراتِ وحمايةِ السيادةِ من التهريبِ الماديِّ والمعنويِّ معاً. غيرَ أنَّ هذه الأجهزةَ تبقى عاجزةً بلا ،رادةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ تضعُ محاربةَ المخدراتِ في قلبِ أجندةِ الدولةِ كـ”قضية وجودية” لا أمنية فحسب.
أدوات المحاربة تتطلب استراتيجية شاملة، وقاية تبني ،المناعة المجتمعية، بالتعليم النقدي الذي يفضح منطق الاستهلاك، بالفن والأدب والرياضة التي تقدم تجربة التجاوز الحقيقية، وإعادة بناء الروابط الاجتماعية القوية التي تقدم انتماء حقيقياً. علاج وتأهيل يعيد بناء الهوية في “مساحة آمنة ويُمكِّنُ اقتصادياً بالتدريبِ والقروضِ الصغيرةِ. ملاحقةٌ وقانونٌ يُشدِّدُ العقوباتِ على المُتَجَرِّينَ لا المدمنينَ، ويتعاونُ دولياً احتراماً للسيادة وردعاً للشبكات العابرة للحدود.
نحو فجر جديد….ظاهرةُ المخدراتِ ليستْ قضيةً أمنيةً ولا صحيةً فحسب، بل قضيةٌ إنسانيةٌ وجوديةٌ تتطلبُ وعياً نقدياً وإرادةً سياسيةً وتضامناً مجتمعياً وتعاوناً دولياً. في السودان، تكونُ محاربتُها جزءاً لا يتجزأ من مشروعِ النهوضِ الوطني ومعركةِ الكرامةِ ،حربٌ من أجلِ الشبابِ لا عليهِ، ليبقى جيلُ الغدِ جيلَ البناءِ واليقظةِ لا الانصرافِ والتخديرِ….
