السودان الصرخة التي لا يسمعها أحد.. بقلم / ناصر فراج

السودان الصرخة التي لا يسمعها أحد.

بقلم / ناصر فراج

في مشهد يكرر أقسى فصول المأساة السودانية، وقفت مدينة الفاشر اليوم شاهداً على حصار مزدوج: حصار المليشيات التي تمنع أنفاس الحياة من الوصول إليها، وحصار الصمت الدولي المخيف الذي يطوق ضحاياها. فما الذي يختبئ وراء قرار منع أعلى ممثل للأمم المتحدة في الشؤون الإنسانية من دخول المدينة؟ الجواب يطفو على سطح دماء الأبرياء الذين سقطوا في مجزرة ٢٦ أكتوبر، وهي مجرد حلقة في سلسلة دماء طويلة بدأت من قرى الجزيرة الآمنة.
العالم بأسره يشهد لكنه لا يتحرك. فالأقمار الصناعية وثقت مجازر ود النورة والسريحة وأماكن اخرى لا تقل أهمية عن بقية المناطق الأخرى ، والعدسات رصدت فصول المأساة في الفاشر، لكن الضمير العالمي يبدو مغيباً تحت وطأة المال السياسي والصفقات المشبوهة. لقد تحولت جرائم الحرب في السودان إلى مجرد “مادة دراسة” في أروقة السياسة الدولية والجامعات ، بينما يدفع المدنيون ثمن هذا التواطؤ بأرواحهم.
تكمن المفارقة الأليمة في تحول مجتمعات كانت تسودها القيم والأعراف السامية – حيث كانت أعلى أنواع السلاح بندقية “خرطوش” تزين بيوت الكبار – إلى ساحات لمذابح منظمة. سادة الدماء الجدد لا يدركون أن زمن “الدس” و”السحارة الخشبية” قد ولى، وحل محله عصر السحابة الإلكترونية التي تحفظ كل شهادة وتوثق كل جريمة.
إن منع دخول المراقبين الدوليين إلى الفاشر يشبه محاولة يائسة لطمس الحقيقة، لكنها محاولة محكومة بالفشل. فكما يقول المثل السوداني المحلى “دفن الليل أم كراعاً برة” فالحقيقة لا يمكن إخفاؤها مهما حاولوا. الشمس ستشرق على ما حاولوا إخفاءه، وستبقى شهادات الناجين وأقمار التوثيق تشكل إدانة تاريخية لا يمكن محوها.

الراعي الجريح يحاول يائساً البحث عن مخرج، لكن دماء الأبرياء ستظل تلاحقه. العالم اليوم أمام اختبار حقيقي لضميره الإنساني، والتاريخ سيسجل أن الحقيقة حاولوا دفنها في الفاشر، لكنها نمت وستنمو كما تنمو بذور الحق في تربة لا تستطيع كل قوى الظلام قتلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *