وقفة واجبة ما بين خطاب الرئيس بالقضارف — و آثار فيديو فتاة الكباجاب

وقفة واجبة ما بين خطاب الرئيس بالقضارف — و آثار فيديو فتاة الكباجاب

موسى عثمان عمر على (بابو)—أستراليا  ( 5)

السودان – و سوء المآل :–

عاد الينا الأستقلال و الوطن يواجه أسوأ أمتحان فى تاريخه السياسى ,,, حيث كتب عليه التقسيم و الأنفصال ,,,عاد ألينا و نحن نعانى ويلات الشمولية المطلقة منذ 1989 ,,, عاد ألينا و نحن نفتقد قيم التعايش و التواصل و الحوار …كنت أمنى نفسى بأن يركن حزب المؤتمر الوطنى الى العقل و الموضوعية ,, و يعيد تقييم سياساته فى أوجهها المختلفة وأن يعمد الى تقويم بعضها الذى فرق الوطن أيدى سبأ ,,, ظننت و الظن أكذب الحديث أن يعيد حساباته الخاسرة ,, حتى يعود السودان الى مرحلة الدولة الوطنية الحديثة ….

عقدين و نيف من حكم الفرد الواحد و الحزب الواحد و قد تحول الشعب السودانى من مواطنين كرماء فى وطنهم  الى مجرد رعايا تسربلهم أطوار العرقية والقبلية و الجهوية المقيتة و الكفلاء من الأسلاميين يبرطعون و يفسدون دون حسيب أو رقيب ,,, فمات أغلبه موتا مدنيا رخيصا أما قهرا أو فقرا أو مرضا أو جوعا….

ماذا فعل هؤلاء؟؟؟

1— لقد عمد هؤلاء و ثلة من علماء السلطان الى تعمية أبصار الغلابة و المقهورين و حفزوا نفسياتهم المحبطة ,, بلباس الدين ,, حيث أستخدموا الأستقواء الدينى و الشوفينية العرقية لتكفير الغير و أرهابهم و مناصبتهم العداء و اخراجهم من الملة …

2—لقد عمد هؤلاء الى تخويف فاقدين الأتجاه بقطع أرزاقهم , فتكرست الذهنيات الأنتفاعية التى تعمل لصالح الحزب وليس الوطن , خوفا من الأفقار و التجويع …

3— لقد عمد هؤلاء الى تكريس غريزة الخوف , بأستخدام القوانين الأمنية القمعية , بعد أن أعموا كثيرا من جموع الشعب السودانى بأنهم ظل الله فى السودان, فزين لهم سوء عملهم بأن ما يقومون به نظاما أسلاميا شرعيا لا تشوبه شائبه ,, حتى صار الأستقواء بالدين و الأيمان بخطاب الأنقاذ السياسى سيفا ذا حدين ,, أما معنا لتسلم و تأمن و تغنم ,, أو ضدنا فتقمع و تنتهك كرامتك و تعدم …

أنه نظام أدمن الفشل ,, و أدمن أعادة أنتاج صراعاته الداخلية و حروبه الأهلية على قاعدة الخصوصية العرقية و الدينية التى زعزعة الأندماج الأجتماعى و زحزحة أركان الدولة المدنية و غمطت حقوق المواطنة …

خطابات رئيس الجمهورية الجماهيرية :–

خطابه بمدينة القضارف يوم 19 ديسمبر2010 نموذجا :-

وددت أن تتجشم بطانة الرئيس و جموع مستشاريه الكثر بعض العنت و ينصحوه بضرورة كتابة خطاباته بدلا من الخطابات الجماهيرية , الأرتجالية , الأنفعالية , المشحونة بالتسرع , المغموسة بالغضب و عدم التركيز , حتى يكون لها مغزى و مضمون يهتدى بها الجماهير .. فخطاباته الأنفعالية دائما ما تثير النعرات الدينية و العرقية ,, و تجرنا الى ماضى الأنقاذ الأسود فى استفزاز قطاعات من الشعب السودانى ,, و فى نفس الوقت تعطى أشارات خاطئة للبعض الآخر ,, مما يدفع كلا الطرفين الى التقاطع و التفرق ,, و بالتالى الكره و الأنكفاء الغير محمود العواقب .. خطابات أنفعالية محفوظة السيناريو ,, فاقدة للحيوية ,, جوفاء يلفها الأسفاف ,, قوة الصوت لن ترعب المعارضين ,, التصفيق و التهليل لن يغير فى الأمر شيئا ,, وفى نهاية الخطاب تعزف الموسيقى ,, يمتشق عصاه ,, ثم يندفع فى رقصاته البرتوكولية(العرضة) دلالة على نهاية الخطاب … و ليته علم ماذا خصم خطابه من وجداننا و من وحدتنا ؟؟؟ ,, و ماذا بذر فى دواخلنا من ضرر و ضرار ؟؟؟..

ما يدركه الجميع أن خطابات الرؤساء مدارس فى المسئولية تتعاطى مع واقع الدولة الخارجى والداخلى فى علاقة صحية أيجابية ,, مدروسة , محسوبة , ذات أهداف جوهرية (بعيدة و قريبة) ,, ترسل أشارات مادية و معنوية لتعميق الوحدة الوطنية ,, و ترسم خطط المستقبل ,, و تعمد الى مراجعة الأخطاء تصحيحا لمسارات التنمية الأجتماعية و الأقتصادية و السياسية , ذات رؤية وطنية متفائله تغرس الأمل فى نفوس الجميع ,, و فوق ذلك كله ضرورية للأهتمام بمشاكل وهموم الشرائح الضعيفة من المجتمع ,, مع القاسم المشترك الدائم ,, المتمثل فى مد جسور التواصل مع المعارضة أينما وجدت لتتحمل مسئولياتها أتجاة الوطن بأعتبارها الوجه الآخر للسلطة …

 أما الناظر لخطاب الرئيس بمدينة القضارف ,, فقد أستباح حدود و كرامة و مستقبل كل من لا يحمل فى جسده قطرة دم عربية و لو كان مسلما ,, أما أهل الذمة فسيفقدون الأمل تماما فى التمتع بمعاملة تليق بهم كمواطنيين من الدرجة الرابعة فى عداء روحى و فكرى لا يمت للمواطنة و لا للأسلام بصلة..

لقد فتح ذلك الخطاب (الكارثة ) باب الأقصاء العرقى و الدينى على مصرعيه و فتح مزادات القطيعة و الفجيعة على مصرعيها ,, و أعاد الى الأذهان صراع الهوية المسكوت عنه ,, و مهد الطريق للفتنة و شريعة الغاب فى كيفية أدارة خلافاتنا ,, خطاب أنعدمت فيه الضوابط التى تصيغ علاقة بعضنا على نحو يخدم أستقرار السودان الجريح ,, و يرعى مصالحنا العليا ,, و لا يستجيب للأنفعالات و النزوات و الأهواء و المرارات ,, بل تجاوز ذلك الى التشويش المتعمد و التلويث المفتعل للأسلام  و بث الألغام فى طريق تبليغه عبر الحكمة و الموعظة الحسنة ,, و هى ذات الأسباب التى دفعت بالجزء الجنوبى من الوطن ليهرب من الأستلاب الثقافى و العرقى والدينى الى مرافئ الأنفصال و تكوين دولتهم التى ترفع عنهم عنت الأحساس بالدونية و تزيل عنهم التمييز العرقى و الدينى و الثقافى و الأجتماعى … وهى ذات الأسباب التى ستدفع الآخرين للبحث عن أوطان بديلة أما قتالا أو أستفتاءا طالما ذات الأسباب زالت باقية , وطالما أن عصبة الأنقاذ ما زالت سادره  فى غيها و لم تع الدرس القريب… أمعانا فى تكرار نفس الخطأ الذى لم تجف جراحه و أوجاعه بعد…

يا سيادة رئيس الجمهورية :—

أن مثل هذه الخطابات الغوغائية و الأسفاف الذى يلفها لا طائل ورائه ,, حيث أن التنوع الثقافى و التعدد الأثنى و الدينى سمة أصيلة فى الشعب السودانى على مر التاريخ و هو ما أختاره المولى لنا ,, و ليست هبة سلطانية ,, و واهم من يظن أن الوحدة الأثنية و الدينية هى السبب الأوحد فى قيام دولة السودان الواحد ذو الهوية الواحدة ,, ولنا فى شبه القارة الهندية شاهدا و اسوة ,,

الهند بتنوعها الدينى و تعددها العرقى و الثقافى صارت اليوم أكبر ديمقراطية فى العالم وواحد من أقطاب العالم الكبرى و المارد القادم,, بينما الباكستان (أرض الأطهار) التى أنفصلت عنها 1947 بحثا عن الدين الواحد و العرق الواحد و معها ربيبتها التى أنفصلت عنها عام 1971 (بنغلاديش)ذات الأحادية العرقية و الدينية ,, تلفهما المشاكل و الهموم من كل حدب و صوب ,, بل تكادان تحسبان فى عداد الدول الفاشلة التى يلفها الفساد و السقوط.

ان تبليغ الدعوة يجب يتم بالموعظة الحسنة و المعاملة الطيبة و هى الوسائل الكفيلة بالدخول الى قلوب الناس ,, كم أن الرائد فى أهله و قومه يعمد الى اجتماعهم لا الى تفرقهم و شتاتهم … فمهما كانت دواعى الخطاب فلن يترك المسيحيون دينهم الى الأسلام الا بالقناعة و الأقتناع ,,, و لن يتراجع النوبة و الزغاوة و الفور و قبائل الأنقسنا و عموم الزرقة فى السودان عن أنتماءاتهم العرقية الموروثة ليصيروا عربا أقحاحا و ان تدينوا بالأسلام …

حديثك ضالة عرجاء ,, و اهداء رخيص للصائدين و المتربصين و الكارهين و المقامرين على دولة (مثلث حمدى ) و على رأسهم جماعة منبر السلام اللأعادل الذين أحتفلوا يوم 9 يناير 2011 بالأستقلال الحقيقى للسودان ,, و هم يذبحون ثورا بالقرب من مبنى ولاية الخرطوم ترحيبا بأنفصال الجنوب … أنه أحتفالا مفجعا يهديد الحاضر و المستقبل و خطرا داهما يزعزع دعائم الوحدة الوطنية …

أرادة المولى عز وجل هى الغالبة ,, لقد أرادتنا مختلفين , متباينين فى سحناتنا و فى ألسنتنا لحكمة قدرتها مشيئته ,, و هى من الآيات التى تستوجب التفكير و التدبير و التأمل فى قدرة المولى ,, أمعانا فى تغلغل الأيمان فى نفوسنا ,, و هى دلاله ايمانية عظيمة  تؤكد عظمة الخالق ,, و من لم يشعر بغير ذلك فيجب علية مراجعة أيمانه ,,,قال تعالى :(و من آياته خلق السموات و الأرض و أختلاف ألسنتكم و ألوانكم ان فى ذلك لآيات للعالمين) .سورة الروم الآية (22) ..

تعدد الأديان و أختلافها حقيقة أقراها ديننا الحنيف  و جعل لهم شرعيتهم فى الواقع الأسلامى (أهل الكتاب و الذمة ),, و حرية الأديان هى التى دفعت بالرسول(ص) بأن ينصح صحبه بالهجرة الى الحبشة أحتماءا بالنجاشى نصرة للأسلام الذى ضاقت عليه أرض الحجاز ,, قدرة المولى أرادتنا هكذا مختلفين رغم قدرته بأن يجعل جميع خلقه على صعيد واحد  و على دين واحد ,, قوله تعالى 🙁 لو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) . سورة يونس الأية 99.

ان التحريض و أذكاء نار الفرقة تنم عن نفس مريضة و فكر ملوث و محاربة للأسلام لا أضافة له ,, مما يستوجب مراجعة حزب المؤتمر الوطنى لقيادته و لخطابه السياسى و الأعلامى من أجل خير البلاد و العباد …أما الذين يسعون الى اختزال مقومات السودان الدينية و العرقية فى أطار واحد فعليهم الندم و الرجوع عن ذلك ,, فالوطن ما زال متوطنا بالجراح …

التعاليم الأسلامية وحدها لا تشكل أتجاهات و سلوك الجماهير ,, بل تحتاج الى معايير و قيم مثل المثل و القدوة الحسنة و القيم النبيلة ,, لذلك يجب الحرص على تربية الناس على تلك القيم بدءا من الأسرة و المدرسة و المسجد و المجتمع,, و هى مهمة موكولة الى النخب السياسية  و أولها أنت يا سيادة الرئيس ,, ثم النخب الأجتماعية و الثقافية و علماء الدين … و الدعاة …

و لكم من الشكر أجزله ..

موسى عثمان عمر على (بابو)— أستراليا – 11 يناير2011 

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *