وفود السلام: “نزل المطر وبرد الجو،” ولكن!!

د. سعاد الحاج موسي
18 نوفمبر 2020

الأحد 15 نوفمبر 2020 يوم وصول وفود السلام كان يوماً انشرحت فيه النفوس وانتعشت، فهو يعيد للأذهان يوم استقبال رئيس الوزراء دكتور عبد الله حمدوك في الـ 21 من أغسطس/ آب 2019 لزفة الثورة لمستقرها، وقبله وصول الراحل المقيم بطل “السودان الجديد” (الرواية التي لم تكتمل فصولها بعد!)، الدكتور جون قرنق دي مبيور رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان يوم 9 يوليو 2005 في أول زيارة له بعد أكثر من عشرين عاما. التقي الفرقاء بالأحد شعباً وحكومة، يتوسطهم جيل البطولات والتضحيات – جيل الثوار والثائرات، عند ملتقي النيلين، ليحتفوا بالسلام بسلام وبالأشواق للسلام مؤطراً فيما وُقِّعت من اتفاقات بمدينة جوبا، وظنهم في القادمين والمقيمين الحاكمين، العزم والعزيمة والإخلاص والتجرد، عقداً وعقيدة، على طي صفحات الماضي الدامي البغيض ونشر أشرعة الانطلاق البيضاء نحو مستقبل أخضر يحفظ لكل فرد كرامته، ويحقق عزته ويرعى حقه في الحياة. خرج الآلاف زرافات ووحدانا وجاءوا من كل حدب وصوب بالعاصمة القومية ومن عمق ما يحلو لنخبة الانقاذ تسميته بالحزام الأسود! خرج الناس وعلى ملامحهم تعب السنين وهالات وخطوط لا تنمحي من أثر الاكتواء برمضاء المعاناة وزمهرير العسف والضيم، جاءوا الي ساحة الاستقبال وعلي محياهم أريحية وتوقاً لسودان المحبة والأخوة، فكلهم يشرئب الي صبح مشرق خرج منذ عقود ولم يعد بعد أن اعتقله الإنقاذ وأودعه غياهب طغيانه وجبروته وأبدله بليلٍ ظَلَمٍ.

فالناس خرجت بدافع الحنين الي ما افتقدوه من طمأنينة في حلهم وترحالهم، والأمل في عودة حياتهم وحركتهم كما كانت بل وأفضل مما كان، لا يترصدهم أمنجية ولا يعترضهم عسكريون مؤتمرجية، ينامون قريري العين والبال، ولا يختطف وينتهك شرف أبناءهم وبناتهم خفافيش الظلام. جاءوا ليقولوا كفانا معاناة وما سُقينا من كؤوس الذل وأُوردنا من موارد الهلاك، ليقولوا أهلا لسحق بيوت الأشباح ومرحبا لاستعادة العافية. هكذا جاءوا مهرولين آملين في استرداد انسانيتهم التي مرغتها حكومات النخب في وحل الطغيان والاستعلاء والتمييز العنصري بكافة أشكاله، يصدحون بهتافات الأمل يوثقون بحضورهم انتخابا شعبيا واحتفالية عصماء انحيازا لخيار السلام ومباركته.

هناك من لم يستطع الخروج اما لوهنٍ ً أو ظرفاً، ولكن نقول لمن آثر التفرج تحفظاً أو اختار المقاطعة استنكافاً من الاتفاق واستنكاراً لحق موقعيه، نقول لهم آن ليكون للسودان عهدٌ وعقدٌ اجتماعيِ جديد يتساوى فيه المواطنون جميعاً في الحقوق والواجبات. ولا نقول للاخوة الحانقين من أهل اليمين، ومن أهل اليسار من الذين لا يفارقون الطائفية توجهاً وسياسة الاّ في قشور أسماء تقدمية، لا نقول لهم الاّ قولا حسني ونذكرهم أحزابا وجماعات وشلل وبيوتات، بأن مردود حراكهم السياسي والاجتماعي لأكثر من ستين عاماً ونيف لم يكن يوما يُعني بالسودان لا شعباً ولا أرضاً، وانها كانت ولا تزال تصب في مصالح لا تتعدي حدود الاسرة والشلة والقبيلة والأقارب والجهوية، لذا لا نري لهم صروحا أو رموزاً مشيدة باسم الوطن لتشهد لهم بالبذل والعطاء وتوثق نضالات لهم إنسانية ووطنية، بينما نثني رقابنا ونمدها طولا لنتبين ما لهم من قصور مشيدة وأملاكا خاصة وقاعات تحتضن ممن يستنكرون معادلة العدالة والمساواة لجميع الناس، تنشط وتعج بالحضور كلما تحرك ساكنٌ لتنصيب ميزان العدالة، ولا نجدهم الاّ من أكثر الناس استعلاءً وعنجهية وتمييزا عنصرياً. ما يحدث الآن من رفضٍ لما وُقِّع من سلام ليس مفاجئاً طالما انه يستهدف سحب بساط الاستلاب الفكري والثقافي والإنساني الذي طغا على توجهات القوم ومعاملاتهم وتعاملهم مع الآخر، ويجفف مصادر تمويلهم المادي والمعنوي لممارسة القهر المجتمعي.

وصول الوفود ووقعه يشبه نزول المطر وبرود الجو، فالأجواء كانت مكفهرة بغبار التعاسة والأحزان بفعل ما أزهقته النخب من أرواح وأسالته من مياه الكرامة وقهرته من آدمية، والسماوات كانت ملبدة بغيوم الخوف والرعب حتي من صفير الريح في عز النهار والشكوك وغياب الثقة. والمطر عادة يبدأ بالنزول في شكل شكشاكة أو نقناقة وقد يزداد وينهمر ولكن أية كمية هطلت تبرِّد حر الجو وتزيح عنه الغبار فتنشرح النفوس ويشيع الأمل في القري والأرياف. ولكن هناك من لا يهمه نزول المطر من عدمه، بل يضره ما يخفف المعاناة عن الناس، فأسلوب حياته لا يتأثر بنزول الأمطار – فبيته مكندش طوال اليوم وسيارته ومكتبه بذات الحال، وجفاف الموسم يوفر له فرص تحقيق الأرباح بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار لما يستورده ويخزنه من مواد يغرق بها الأسواق ويخنق بها جيب المواطن وروحه. مع مجيء السلام واحقاق العدالة والمساواة سيجد هؤلاء الشرهون أنفسهم مع الآخرين الذين في خلدهم أقل آدمية أو يفتقرون اليها، سيجدونهم في ذات الخندق، بل ويُجردون مما استلبوه من موارد الشعب. فمشوار العدالة طويل ومضني ومن خلاله سيطفو الي السطح ما كان خافياً من المرارات ولكن يبقي السلام هو التحدي الأكبر والخيار الأوحد، ويجب أن تكون له قوانينه وقدراته، وموارده الإنسانية والمادية والوقائية، ووسائله القادرة على مواجهة التحديات وتطورات الأحداث.

أيضاً نشير الي من تحفّظ من مسيرة المفاوضات والاتفاقات بسبب ما لازمتها من تكتلات قبلية واسرية وجهوية، وسيادة أبناء وبنات العمومة والخؤولة وخشم البيت، ولا نستطيع دفن الرؤوس في الرمال تواطئاً وتغافل، بل علينا ألاّ نهمل ما يراه أو يقلق البعض من ملامح النواقص، وتبيان مواطن الخلل. فالملاحظ مثلا، ضعف تمثيل أبناء دارفور الإقليم الذي به أكثر من ثمانين قبيلة ورهط، وتنامي التخوف من أن تسعَ هذه المجموعات الي خلق نخب قبلية على غرار النخب المركزية التي طغت علي حكم السودان فكان مصيرها بعد ستون عاما ونيف محتوماً علي أيدي الثوار، فالمجتمع لا يهضم طغيان مجموعة، تحت أية مسمي، علي السلطة والثورة. ومن واجبنا تنبيه الحركات الموقعة، وجميعها تحمل اما في ديباجاتها كلمات “العدالة والمساواة”، أو تضمنها في السطور الأولي في بياناتها الرسمية (المنفستو)، ننبهها بشدة الي انها حاربت ليسود ميزان وقيم العدالة والمساواة في الوطن كله، وأن يكون للهامش نصيب عادل في قسمة الثروة والسلطة، فعليها أن تكون رائدا لا يكذب أهل السودان قاطبة والاقاليم خاصة. فالجميع ينظر وينتظر أن يرَ السلام ينبذ القبلية والجهوية ويكذب الاتهامات والادعاءات ويزيح الشكوك حول المجموعات بأنها جاءت من أجل مصالحها وتتحين الفرص لإقامة دويلاتها القبلية كما فعلت حكومات النخب المركزية البائدة، ف “ما لا ترضاه لنفسك، لا ترضاه لغيرك!”

نؤمن أن الأهم هو الإرادة الصلبة والاستعداد للتصحيح والإصلاح، والمصداقية في الحرص على استكشاف النواقص ومعالجة الفتوق وسد الثغرات في مسيرة التطبيق حتى يأخذ كل ذي حقٍ حقه دون منٍ أو أذى. ولذلك نناشد الاخوة الموقعين على السلام ومعهم حكومة الثورة، أن تكونوا بلسما شافياً لجراح الوطن، أشداء على الأنانية السياسية، ولا تكونون سماً زعاف ينخر في جسده الواهن، فكفي الناس ما عانوا من أزمات المحسوبية والتمييز، وكفي الشباب احتراقا في الخنادق والثغور وساحات الحرب، وكفي الوطن فساداً ومقابر جماعية. ينتظر الوطن كله أن يكون قدمكم قدم خير ومقدمكم يضمد جراح أثخنتها الحراب، يؤسس لأرضية صلبة للعدالة والسلام المستدام والحكم الرشيد تنتهي فيه حرية كل واحد منا حيث تبدأ حقوق الآخرين، فلا تخيبوا آمالهم فيكم.

سعاد الحاج موسي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *