هذه رؤيتي لمستقبل السودان 1/2

هذه رؤيتي لمستقبل السودان 1/2
24/1/2019م
شريف ذهب
ربما لم تجد بعض ما وردت في رسائلنا الأخيرة إلى قوى المعارضة السودانية طريقاً سالكاً إلي آذان الكثيرين منهم، بل وربما آثار حنق بعضهم، لا سيما بخصوص بعض الأسماء التي أوردناها لتولي بعض المهام في الحكومة الانتقالية، وأنّى لا يكون ذلك وضيق الأفق وحِدِّة زاوية الرؤية قد فعلت فعلتها في ساحة ملاعبنا السياسية بحيث غدونا نراها لا تتسع لسوانا، ولعمري تلك هي الأنانية والإقصاء بعينها في وطنٍ أضناه ضيم أبنائه أكثر من أعدائه وفعل فيه أهل نظام الإنقاذ ما لم تفعلها الضباع في الطريدة !.
وربما يقول البعض كذلك أنّ هذا وقت ثورة فدعوا الأمور تمضي إلى سبيلها لحين إزاحة النظام ومن ثم لتنساب المياه في مجاريها الطبيعية، “وهذا رأيٌ مقدر” لكن هل تركت الثلاثين عاماً من عمر نظام الإنقاذ المدمِّرة من مجاري أصلاً يمكن أن تنساب فيها المياه أم أن الأمر يحتاج إعادة التنظيف والتجهيز كحال مجاري الصرف الصحي في بلادنا مع كل خريف؟.
حتماً لم تربطني البتة أيما صلة ” شخصية أو حزبية، في السابق أو حالياً” بجميع من أوردت أسماءهم في تلك الرسالة، بل وربما لديّ الكثير من التحفظ على نهج أحزاب بعضهم في التعاطي مع قضايا الوطن، لكن ربما الزوايا التي نرى خلالها قد لا يحبذ الكثير الرؤية منها لأنها قد لا تعطيهم الصورة كما يريدونها أنْ تكن. فدعونا نتفق في المقام الأول أنّ الهدف هي حكومة انتقالية ذات مهام محددة ستقود البلاد في أوضاع استثنائية غاية التعقيد، أولها أنها سترث خزينة خاوية تم نهبها تماماً وهذا يتطلب أن يكون وزير المالية استثنائياً يتمتع بالكفاءة والنزاهة والعلاقات الدولية التي بموجبها يستطيع إقناع الدول وصناديق المعونة الدولية بتقديم دعم اسعافى عاجل للبلاد تزرع في المقام الأول الطمأنينة في نفوس الشعب الذي ثار على الظلم متطلعاً نحو الأفضل، بأنّ الأمور تمضي نحو مراده، والأمر ينطبق على وزارة الخارجية وبقية المواقع الأخرى فثمة قضايا مهمة مثل إصلاح العلاقات الخارجية والدستور الدائم وقضايا الهامش والمركز تتطلب خبرات عالية تتمكن من انجاز هذه المهام.
الواقع الذي يجب أن نقر به جمعينا هو أنّ ثمة حركة تغيير مجتمعية جديدة مفعمة بكثير من الوعي قد نمت وتجذرت واكتسحت بلادنا تتمثل في الشباب من الجنسيين والمرأة التي حتماً ستقود المجتمع في المرحلة المقبلة ومسئولية الجيل القديم تهيئة الأوضاع وتعبيد الطريق لهم كي يسيروا في أمان.
شخصياً أثق في وعي هؤلاء الشباب وقدراتهم الفكرية والعقلية بما تؤهلهم لإدارة دولاب الدولة خلال الفترة المقبلة لكن دون أدنى شك عامل الخبرة كذلك مطلوب للتبصير ببعض المزالق والمنعرجات الحرجة التي قد تعتري وتحرف المسار لذلك التلازم مطلوب في هذه المرحلة. إننا لا نسعى لعزل المجتمع عن بعضه البعض ممثلاً في تكويناته الحزبية أو حتى على مستوى الأسرة باعتبار أنّ هؤلاء الشباب هم الأبناء والبنات وهم كوادر الأحزاب المستقبلية، لكن بكل أسف تاريخنا السياسي في مجال تعاقب الأجيال لا سيما على مستوى قيادة الأحزاب يشوبه الكثير من الخلل، (فالكنكشة) مرض ملازم لكثير من قياداتنا الحزبية بما يعيق إتاحة الفرص للشباب لإبراز إبداعاتهم باكراً، هذا الواقع حتماً سيتغير، فإذا كنا نريد أن لا يخرج علينا أبناؤنا وكوادرنا المستقبلية فعلينا إعطاءهم وضعهم الطبيعي في إدارة المجتمع بمختلف صوره، أكان على الصعيد الأسري أو الحزبي أو الدولة – حتى- .
لم تزل الجرثومة القديمة باقية في الأمعاء لمّا تتم علاجها بعد ويجب ألا يتجاوز العلاج مرحلة الحكومة الانتقالية القادمة حتى نُسلِّم الأجيال الجديدة وطناً معافى من كافة الأمراض الموروثة التي منها قضايا الديمقراطية بمفهومها الصحيح على صعيد الأحزاب والدولة وقضايا الاستقطاب القبلي والديني فضلاً عن قضايا الهامش والمركز وما إلي ذلك من العلل المجتمعية التي توارثناها عبر الحقب السابقة، هذه جميعها تحتاج إرساء قواعد التأسيس القويم، تبتدئ بالخدمة المدنية والعسكرية وتحييدها عن الاستقطاب السياسي والفئوي والمحسوبية التي تشكل احدي صور الفساد الإداري، فضلاً عن مناهج جديدة للتعليم ترسي كل هذه القيم والمبادئ.
إذاً: كل هذه الأعباء تلقي بثقلها على الحكومة الانتقالية المناط بها إرساء القواعد السليمة لمستقبل البلاد وحملها إلي مرافئ الأمان. أما الأحزاب فأماها تحدي آخر يتمثل في إعادة بناء نفسها على أسس جديدة قويمة تجابه بها هذه التحديات عبر الانتخابات القادمة التي يجب أن يكون كرت العبور لها الإجابة على هذه التساؤلات الهامة. فلم يعد مقبولاً البتة في المرحلة المقبلة إقحام الدين والجهة والقبيلة في السياسية. هذه مسلمات مجتمعية خالصة يجب إبقاءها بعيداً عن مضمار التلاعب السياسي التي حتماً ستفسدهما والسياسة معاً. نريد أن ينحصر التنافس على الرؤى الصائبة في إيجاد حلول ناجزه لقضايا البلاد الكلية بمختلف صورها بما يوفر العيش الكريم والرفاهية للشعب في قوته وصحته وتعليمه وبيئته المجتمعية وللوطن في مكانته الدولية برشد الإدارة والنماء والازدهار. نواصل بإذن الله 24/1/2019م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *