ليس من رأى كمن سمع .. مرئيات عائد من البلاد (2/1)

ابراهيم سليمانibrahim suliman
صوت من الهامش
يغادر الواحد منا البلاد، ويأمل أن يتوقف الحياة وراءه، ليستأنف مشواره من حيث وقف متى ما عاد، خاصة إن كان مغتربا، ذلك أننا نرى أن حياة الغربة مهما رغدت، فهي ليست بحياة، فلا معنى للحياة في وطن ليس فيه من يعرف مقدارك، ويعزّ حضورك، ويثمن اشياءك، ويحتفي بتضحياتك، والمقصود هنا الأهل والأقارب وليست السلطات الغاشمة، ولكن هذه الأمنية محال تحقيقها، ومن غادر فلن تنتظره الحياة، وغافل من يظن أنه يعود بعد غياب، ويجد الاشياء هي الأشياء كما قال عملاقنا الراحل الفيتوري، وكما أن السعادة في أن ترى أطفالك يكبرون بين يديك، كذلك المدن والأمكنة، نماؤها المفاجئ يبرك الإنسان الغائب، ويفضح تغيبه ويلاحقه بالذنب المستتر.
زرت البلاد بعد غيبة مطولة، امتدت لعقد ونيف من السنين، اهدرتها قسراً في خليج العرب وبلاد العجم، وعدت لأجد ملامح المكان قد تغيرت، وتبدلت اسارير الإنسان، وجدت نفسي غريب الوجه تائها وسط الخرطوم، اسأل عن ميدان الامم المتحدة، فيظنني السائلين انني من اهل الكهف، واشرئب لرؤية فندق اراك، واطوّل عنقي، وادور حول نفسي لأري مؤذنة الجامع الكبير أو عمارة الفيحياء لأتبين وجهتي لكنني اح

صد الهشيم .. اسمع “الكماسرة” ينادون لمحطة جاكسون، وابراج والنفق، والشروني ولا ادري اين هي وما اصولها، في غلفة من امرنا تحولت سنتر الخرطوم إلى غابة اسمنتية، رديئة التناسق، تحاصرها الضوضاء والوسخ المعتّق، سنتر ملوث ومختنق بلا رئة تتنفس بها، يخترقه اناس عجلى من امرهم، يشقون سبلهم بمعافرة وسط زحمة فارهات “الجياد”، اصوات ابواق السيارات، ومكروفونات باعة “ابو الرخاء”، وهدير المولدات الخاصة بين الحين والآخر، تسجيلات الداعية محمد سيد، بالإضافة إلى ضجيج عمليات الهدم البدائية والتشييد التقليدي، يشكل هذا العزف غير المتجانس، اوكسترا صاخبة وطاردة من السنتر إلا لمن اضطر غير عاد ولا باغ .. عطالة مقننة على قدم وساق، شباب في عمر الزهور وعمر المنى يجلسون الساعات الطوال امام ستات الشاي، أو يفرشون بضاعة صينية لا قيمة لها، مظهرهم جيد إلا انهم صامتون يغالبون همومهم ويتأمون مستقبلهم المجهول، نعود بأذن الله لهذه المسألة في مقال منفصل.
النفايات .. كارثة بيئية
قياساً على الحالة التي غادرت فيها العاصمة، ورغم التقارير الصحفية التي اطلعت عليها مسبقا، لم اكن اتصور أن الخرطوم متسخة وغارقة في النفايات البلاستيكية إلى هذا الحد، وليس هنالك فرق بين سنتر الخرطوم وسوق صابرين، ولكن الفرق النوعي تجده في معلم عاصمي بارز اسمه السوق الشعبي امدرمان، فقد اصبح هذا المكان عنواناً للقرف والعفانة والفوضى الإدارية، مظهر الخرطوم البيئي العام يعتبر عار وسُبة في جبين كل سواني رسمياً وشعبيا، ذلك أنني لم استوعب ان يتصالح الإنسان مع “الوساخة” ويعتبر الحديث عنها انصرافياً ومن يتحدث عنها بقلق مفتري او مترفع، ولم اتخيل أن يكون الإنسان عادياً وهو يحدق يوماً على المناظر الكئيبة ويسوح بناظريه في القاذورات والنفايات النتنة؟ الخواجات يقولون: Looking better, feeling better ، الشعور العام هو عدم المبالاة رسميا وشعبيا، اعترفت السلطات مراراً بفشلها في معالجة النفايات، اقرّت بتقصيرها وامتصت بذلك الغضب الشعبي، في تقديرنا ينبغي أن يستمر الضغط الشعبي وتعاونه مع السلطات لإيجاد حل ناجع ومعالجة دائمة للتردي البيئي ولا ينبغي أن يكون هذا الخطر الداهم محل مزايدة سياسية. التردي البيئي بالخرطوم، ينبئك بأن البلد ليس به رجالات دولة، وإن الكسل والبيروقراطية وافتقار الكفاءة الإدارية، وعدم الشعور بالمسئولية هي السمة السائدة وعنوانا للحالة السياسية الراهنة.
المطار الدولي .. مظاهر الكسل والشُح
اثناء العودة قدمت جوازي للموظف المختص بالمطار الدولي، سألني من اسمي الرابع، سألته لماذا؟ قال لي: لدينا حظر حتى الجد الخامس! رفضت أن اجبيه، وسألته هل لديكم صلاحية حظر مغادرون اجانب؟ اعاد لي جواز سفري ولم يجبني، شعرت انه مسكين، وغير ملم بمهامه، قلت لنفسي، لماذا يوضع من هذا الشخص في هذا المكان الذي يفرض أن يكون فيه من اصحاب الحنكة والدراية والثقة في النفس؟
لماذا تحجز سلطات المطار المغادرين خارج الصالة في هجير الشمس وقد يكون وسط المطر إلى أن ينادي المنادي لبدء الميزان للرحالات المعنية؟ لماذا لا تكون المظلات الدائرة الصغيرة خارج صالة المغادرة جزء من مظلتها وامتداد لها؟ هذا التصرف شاذ، لم اجد له مثيل في المطارات الاخرى. ولماذا يخرج القادم عبر المطار الدولي، إلى مواقف التكاسي للحصول على ترولي ليضع عليها حقائبه؟ أظن انها غير كافية، وليس هناك من يتعهد بإعادتها إلى الصالة.، كل شيء داخل المطار الدولي يدل على الكسل وعدم المبالاة والشُح.
في مطار ادريس ابابا، رأيت سودانيين يلبسون البردلوبة “على الله” وينتعلون السفنجات، أي الله، فخجلت بالإنابة عنهم، وشعرت بالغبطة من جاهزية مطارهم الدولي، وعندما رأيت طوابير المصطفين لدخول طائرة الجامبو المتجهة إلى لندن، قلت لنفسي ماذا يفعل اخوتنا في مطار الخرطوم إن حطّت مثل هذه العملاقة بأرضهم؟
مول الواحة .. صرح ممرد للأجانب
مول الواحة يعتبر صرح تجاري باذخ سوط الخرطوم، لكنه خالي من المتاجر العالمية، ومن الواضح أن اسعار البضائع المعرضة فوق المقدرة الشرائية للمواطن السوداني، ويبدو لي انه مكان مفضل لنزهة الأجانب سيما عندما تشتد درجات الحرارة، والمؤسف أن كافة المصاعد الكهربائية ((escalators and Lifts ضيقة للغاية ولا تتناسب وحجم وفخامة المبنى، تحس أن “الشغل” تجاري يشتم منها رائحة الفساد.
الخصخصة .. مفاجآت
من الأشياء الإيجابية التي انجزت في العاصمة، توفر الحمامات العامة بالأسواق، والمرافق الصحية للجمهور بالدوائر الحكومية، بغض النظر عن جاهزيتها ومستوى نظافتها، يعتبر مظهر حضاري، وكذلك المظلات والمقاعد لمراجعي دواوين الحكومة، قبل المغادرة كان المضطرين من الرجال يتبولون على الحيط، الآن توجد مرافق للجنسين في الاسواق في اقرب النقاط، لكنني ذهلت عندما لاحقني شاب فتيّ، وانا خارج من دورة مياه بحي خرطومي راقِ يطالبني بالأجر، توقفت عن الوضوء الذي شرعت فيه، دفعت له مضاعف ما طلبه، واستفسرت منه في هدء، لأعلم انه مستثمر، وللمزيد من التوضيح، سألت امام هذا المسجد الذي تربطني به صلة قرابة، لأتبين أن هذا المستثمر مسئول عن نظافة هذه المرافق، وللأمانة أن الوضوء مجان، اما دورات المياه فبالمقابل، لعنت في سري كبيرهم الذي علمهم الخصخصة (حمدي) وقلت في نفسي من الممكن الإجازة القادمة أن اجد من يقف في باب المسجد مستثمراً في نظافة فرشه، وصيانة اجهزته الإلكترونية، قلت لقريبي شيخ وخطيب المسجد، لقد فشلتم في حض المصلين حتى في التبرع لنظافة المسجد الذي يصلون فيه! وذكر لي أن الأمر كله بيد الشئون الدينية والأوقاف والتي نحسبه من اغنى الهيئات في البلاد ومن افسدها حسب تقارير المراجع العام.
الخصخصة في كل مكان، والاستثمار هي المفردة الأكثر تداولاً في دينا المال والأعمال، وانا في حافلة داخل احياء امدرمان، اشدت بملاعب رياضية مصغرة مسورة ومنورة جيداً وسط الاحياء الشعبية، لافاجأ بمن يجلس بجواري يقول لي، وووين، هذا استثمار، بمعنى من يدفع في كل تمرين يلعب، ومن لم يمتلك الثمن يتفرج، “وباقي الحِتات كلها باعوها” كما اعترف عبد الرحيم حسين.
ليت دهشي عن اخطبوط الخصخصة انقطعت هنا، اقام لي أبناء العائلة بالخرطوم رحلة شواء معتبرة على ضفاف النيل الأبيض خلف الكلاكلات، تحت اشجار الحراز والسُنط الوارفة، لاحظت أن ظلال بعض الأشجار مزدحمة بالكراسي، في بادئ الأمر ظنت انها محجوزة، وقلت معلقا لماذا يحضر الناس هذه الكراسي في هذه الرمال الناصعة، ليقول لي قائل: هاي ووين، ديل سات شاي مستثمرات، يدفعن مقابل هذه الظلال للمحلية. بالذمة، ارتأيتم من هي جشعة ونهمة من هذه الحكومة؟ كيف لها ان تستثمر في اشجار الله القائمة على ضفاف نيله؟ لم يتبق لها إلا الاستثمار في الهواء وبيع الاكسجين للمواطن. وعلمت أن هذا الأمر سبب للعراك بين الحين والآخر بين رواد الشاطئ والمستثمرات.
المدراس الخاصة، أكثر من الهم في قلب المواطن السوداني، كنت اظن ان الطابور الصباحي للتلاميذ في الشوارع العامة كنوع من الدعاية الرخيصة لهذه المدراس، زرت عدد منها، لأتبين ان ساحاتها الداخلية تكاد تتسع للمدرسين والعاملين بها، تُزاحم هذه المدراس العيادات والمجمعات الطبية، ورفعت حاجب الدهشة عندما مررت بجمع طبي خاص جوار سوق شعبي، ينادي على الزبائن بمكبر صوت على طريقة ابو الرخاء (علينا بجاي، اختصاصي باطنية شاطر، استشاري اطفال نطّاس .. الخ)
اشتريت عبوة مضاد حيوي، بعشرين جنيها (20.000) بالقديم، لافاجأ أن محتواها ثلاث كبسولات لا غير، اشططت غيظا.. حكيت المسألة لسائق هايس، قال لي: أنا أشريت البارحة، عشر حبات بمائة جنيه (100.000) بالقديم، بمعدل عشرة الف جنيه للكبسولة الواحدة، سكت، وعرفت في حينه لماذا تراجعت معدلات النمو السكاني في الهامش، بالإضافة إلى الحرب العبثية والظالمة. هذا والغريق قِدام، عندما ترفع الحكومة دعمها المزعوم عن الدواء في مقبل الأيام، حينها، ستنتعش بلا شك تجارة الأعشاب والأدوية البلدية، وعندئذ، ستحتاج الصيدليات إلى حراسات امنية مشددة.
شرطة المرور تستثمر في مخالفات سائقي المركبات العامة والسيارات الخاصة، تقبض غرامة ثلاثين جنيها، وتسمح لهم بتعرض ارواح وممتلكات المواطنين للخطر الجسيم لمدة اربع وعشرون ساعة، كيف تصرّح هذه السلطات لمركبات غير صالحة للسير قد تكون كوابحها مهترئة، او وثيقة تأمينها منتهية الصلاحية أن تعمل كمركبات عامة؟ وكيف لها أن تسمح لمراهق ليس لديه رخصة بقيادة سيارة وسط الزحمة المرورية والشوارع المكسرة؟ وهروباً من كمائن استثمار المرور، يهرب بعض السائقين من الطرق العامة عبر شوارع الأحياء الضيقة معرضين سلامة الأطفال الأبرياء لخطر مركباتهم منتهية الصلاحية.
المرأة السودانية .. متألقة
رغم الضائقة المعيشية، وشظف العيش، والتهجير القسري، والنفايات التي تعكّر مزاج الناس، رأيت المرأة السودانية، خاصة المتزوجة، متألقة ومحتشمة، الحناء الغامقة لا تستطيع تجاهلها، إن كنت في كامل صحتك النفسية والبدنية، مهما كانت طبقتها او موقعها السكني، حناء متجددة لم تعد حكراً لبدرية سليمان أو ندى القلعة، عنواناً للصون والعفة وإثباتاً للهوية. أظن أن للمسالة، علاقة بانتشار اشجار هذه الصبغة السحرية بكثافة على الحدائق الأمامية بصفة خاصة في الأحياء الجديدة .. وقد تكون ارتفاع وتيرة المنافسة على الأزواج سبب في هذا التحول الإيجابي والله اعلم.
ونواصل،،
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *