المؤتمر الوطنى واستراتجية إعادة تقسيم ولايات دارفور

المؤتمر الوطنى واستراتجية إعادة تقسيم ولايات دارفور!
بقلم/ الهادى ادريس يحيى
[email protected]
   فى مقال سابق لنا بعنوان من الذى يقف وراء الصراع القبلى بين المجموعات العربية فى دارفور؟ توصلنا الى أن نظام المؤتمر الوطنى الحاكم فى الخرطوم هو من يحرك تلك الصراعات، بقصد ايهام الراى العام بان مايجرى فى الاقليم  لم يعدو اكثرمن صراع قبلى بين مكونات دارفور الاجتماعية، وكذلك لصرف الانظار بعيدا حقيقية الصراع  التى تجرى بين المركز ودارفور . وقلنا ايضا ان المؤتمر الوطنى سوف لم يكتفى بذلك الصراع بل سوف يسعى جاهدا لخلق كل من يقود الى صراعا اخر اشد تدميرا . وها هم اليوم يتحدثون عن اضافة ولايتين جديدتين وعلى اسس قبيلية بحته، ولاية بحر العرب، والاخرى  ولاية جبل مرة، اى ولاية الرزيقات  ولاية الفور كما يخطط المؤتمر الوطنى لتسميتهما . الامر الذى يجعلنا نسال مرة اخرى ماذا يريد المؤتمر الوطنى من تقسيم ولاية دارفورعلى هذه الاسس القبلية بعدما قادت تجربة تقسيم محليات دارفور بذات المنهجية الى صراعات عرقية؟ وهل المؤتمر الوطنى مؤهل الآن لاعطاء اهل دارفور حق التصرف فى حكم انفسهم، بعدما مزقهم وفرقهم عرقيا وجهويا، ام ان هناك شئ اخر فى نفس النظام يريد ان يخدع به اهل دارفور؟

   فى واحدة من زيارات البشير الى دارفور قبل عامين،  وفى مدينة الجنينة  بالتحديد، طلب منه الديمنقاوى فضل سيسى طلبا  لايخلو من البراءة، ” يارئيس نحن نريد ولاية اخرى فى غرب دارفور وعاصمتها زالنجى، على ان تشمل محليات وادى صالح وزالنجى وكاس وجبل مرة” ، فكان رد البشير حينذاك ” يا ابو ديمنقاوى لو داير نديك ولاية الا نعدلوا فى الدستور وتعديل  الدستور دى اجراءاته ماساهلة ومربوطة كمان باتفاقية السلام الشامل”. الرد الذى جاء الى حد ما مسئولا ، وقتها صاحبه لم يكن مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية . ولكن بعد قرار المحكمة تغير كل شئ لدى نظام المؤتمر الوطنى ، وسار عندهم خراب بلد ولاتسليم ولد، اى تفتيت البلد لكى ينجح البشير من المساءلة ، وهذا ما لم يتم الا من خلال استغلال كل سبيل يؤدى الى اختلاف وصراع بين المكونات الاجتماعية، دون التقييد بمعايير الاخلاق والمسئولية. وبما ان تجربة تقسيم المحليات فى دارفور قد زادت من حدة الصراع القبلى فلماذا لايعمم التجربة على ولايات طالما الهدف هو تاجيج الصراع .

  بهذه التفكير التآمرى، القى البشير رده السابق للديمنقاوى جانبا ، واصدر قرارا كلف بموجبه لجنة للنظر فى زيادة عدد ولايات دارفور، دون التقييد بما سماه البشير نفسة باجراءت دستورية صعبة ترافق اى تغيير فى الوضع  الدستورى الفيدرالى  للدولة السودانية ، او مراعات مايسمى باتفاقية السلام الشامل . واللجنة رفعت تقريرها الى رئاسة الجمهورية قبل ايام و تم اجازة القرار باضافة ولايتين ، الاولى فى زالنجى وبالطبع سوف يتزرع المؤتمر الوطنى بحجة واهية ان هذا هو مطلب اهل زالنجى بناءٍ على طلب تقدم بها الديمنقاوى فى السابق، والاخر فى بحر العرب بناءٍ على وعد جاء من البشير لجماهير منطقة سبدوعندما حشدوا الى استقباله عقب صدور قرار المحكمة الجنائية ، والذى قال لهم اننى(البشير) ” سوف اكافئ مجاهداتكم هذه باعطاءكم ولاية”  المؤتمر الوطنى يعرف تماما بان مجرد تفضيل اى قبيلة واعطائها امتياز غير مبرر ولاسيما فى مسائل تتعلق بالسلطة، يعنى مباشرة  اثارة القبائل الاخرى ضدها ، اى خلق حالة الصراع الاجتماعى الوهمى بين من( يملكون ولايملكون)، وهو عملية صب الزيت على نار الصراع من جديد .
 
  ان طلب الديمنقاوى بولاية ليس بأمر مستهجن طالما نحن نعيش عصر انحطت  فيه ثقافة ادارة الدولة فى عهد نظام المؤتمر الوطنى التى سيست فيها الادارة الاهلية بالكامل حتى افقدت شخصيتها المستقلة. فالشيخ او العمدة او الناظر..الخ يمكن ان يذهب ببعض من افراد قبيلته الى سلطة المؤتمر الوطنى فى الولاية ويمكن أن يصدق له بمحلية  ليتصرف فى ادارتها كيفما شاء  مثل ما يدير افراد قبيلته . انظر الى كل المحليات الآن فى دارفور، وبصورة اوضح فى محليات  جنوب دارفور، تلاحظ ان اى محلية ملك خاص لقبيلة بعينها، وهذا هو سر الصراعات القبلية الذى يدور الآن ويحصد العشرات من الارواح، كما هو فى صراع الهبانية والفلاتة حول حدود محلية تلس مع محلية برام، وبما ان امر ادارة محلية برام شأن خاص بالهبانية، وامر ادارة محلية تلس ملك خاص للفلاته، فان نشوء اى نزاع حدودى فى ظل هذه الوضعية الادارية الغريبة  فانه يتحول مباشرة الى نزاع خاص بالقبليتين، لا دخل فيه  للقبائل الاخرى التى تسكن المنطقة، بالتالى الآن تجد ان اطراف الصراع من الطرفين يستهدفون بعضهم البعض دون الاخرين فى المنطقة.

هذا نوع من الصراعات الادارية المفتعلة تم بين المعاليا والرزيقات  وبين الترجم والبنى هلبى وبين المساليت والقبائل العربية فى غرب دارفور..الخ. هذا النمازج من الصراعات هى التى حفزت نظام المؤتمر الوطنى على بناء استراتيجيته الجديدة ليخطو خطوات اخرى نحو توسيع دائرة الصراع فى اطار استراتجتهم الجديدة المسماة بالسلام من الداخل، فلجاوا الى تعميم تجربة المحليات باسم القبائل الى ولايات باسم القبائل، اى فى المرحلة الاولى ولاية للفور فى زالجى وولاية للرزيقات فى الضعين، اذا نجحت الفكرة سوف نعطى اى قبيلة فى دارفور ولاية، حتى يتلاشى اقليم دارفور من الوجود.

  نحن لا ننكر دور الادارة الاهلية وراى  قادتها فى الشأن العام  ولكن ما نرفضه هو استغلال دورها  فى خدمة اجندة سياسية محدده، لان تسيسها يعنى تسيس القبيلة واستغلال القبيلة فى السياسة يعنى مايعنى هو الحرب الاهلية المدمرة .

 ان الوضع الطبيعى لاى مجتمع انتقالى كمجتمع دارفور يجب ان تكون فيه الادارةالاهلية جنبا الى جنب مع ادراة الدولة، فمهمة الدولة تكون فى  حفظ الامن وتقديم الخدمات الاسياسية من التعليم والصحة..الخ، والادارة الاهلية تعزز  دور الدولة فى تحقيق الامن من خلال دورها الاجتماعى ، الاثنان يعملان على رفاهية وامن المواطن .  بيد ان  نظام المؤتمر الوطنى نفسه هو حالة شاذة فى السياسة لايعش الا فى جو معكر  بالصراعات القبلية  وعدم الاستقرار، لانه نظام فاقد للشرعية السياسية والاخلاقية ، خدع الشعب السودانى بانه جاء من اجل تطبيق حكم فيدرالى بغرض تقصير الظل الادارى للمواطن، وفى الحقيقية أخذوا النموزج الفيدرالى شكلا دون المضمون من اجل  الكسب السياسى والتاييد الزايف. فالبشير يعد الرزيقات وهو يخاطبهم فى محلية  بحر العرب  بانهم يستحقون ولاية على حسب مجاهداتهم، مع علمه التام بان الولاية التى يسميه ولاية الرزيقات، تقطنها مجموعات قبلية اخرى، وبدون شك لن يقبلوا بولاية ملكها البشير  لقبيلة بعينها. وهذا الرفض جاء مبكرا من هيئة شورى قبيلة البرقد الذين رفضوا تبعيتهم  للولاية التى ستكون حاضرتها الضعين، وبالتاكيد سوف يرفضها المعاليا على خلفية الصراع السابق ، والرفض يعنى الدخول مباشرة فى المواجهة والصراع وهو مايسعى اليه دائما المؤتمر الوطنى. السؤال العقلانى هنا ماذا يضير الرزيقات من وجودهم  فى ولاية جنوب دارفور؟، وهم الآن على الاقل ليسوا فى حالة نزاع مع اى من القبيلتين المذكورتين ويتولى ابنهم( كاشا) رئاسة الولاية ، مع العلم بان الغاية النهائية من استحداث انماط الحكم والادارة هو تحقيق السلام . ذات السؤال يمكن ان ينطرح الى المنادين بولاية زالنجى  ماذا يضير وجودهم  الآن فى ولاية غرب دارفور التى يحكمها احد ابناء قبيلة الفور(عبدالحكم)، هذا لو كان الغرض من الولاية بحسب راى الديمنقاوى بانه يريد المشاركة الفاعلة لابناء منطقته وقبيلته فى الحكم .

 اننا مهما قدمنا من اسئلة لاصحاب راى التقسيم، فاننا فى النهاية لم نتوقع منهم الرد الموضوعى المقنع ، لانهم ببساطة هم وكلاء يعبرون نيابة عن المؤتمر الوطنى الذى يهدف الى اثارة حفيظة القبائل الاخرى التى تسكن جنبا الى جنب مع قبيلة الفور والرزيقات، بانكم الان تحت رحمة هاتين القبيلتين وان اردتم الحرية عليكم بالقتال، وكذلك رسالة اخرى مبطنة مفادها بان على الفور والرزيقات خارج ولايتى الضعين وزالنجى  بانكم مواطنين بدون حقوق  طالما لديهم ولاياتكم الخاصة، ان اردتم الحقوق والمساواة الكاملة عليكم بالمواجهة، بهذا السناريو يريد المؤتمر الوطنى ان يقسم دارفور كلها الى كينونات قبلية  متصارعة فى مابينها ويتم تسويق هذا الوضع الى المجتمع الدولى بان ازمة دارفور هى ازمة مجتمع اى اشبه بحالة  “صراع الكل ضد الكل” اى كل الناس ضالعين فى الاجرام ، لاتوجد جهة محددة يمكن تجريمها، هذا بالضبط الكلام الذى يريده المؤتمر الوطنى .

   ان اهل دارفور عامة معنين بالحفاظ على وحدة الاقليم الواحد  شعبا وارضا،  وعدم السماح  لنظام المؤتمر الوطنى بان يمرر مشروع تقسيم الاقليم  . وان راى اى شخص من دارفور محل احترام وتقدير فيما يخص باعادة تقسيم الاقليم  بشرط الا يستند رايه على  ادعاءات قبلية، لان حق التمسك باعادة الاقليم الواحد وليس التقسيم  اصبح محل اتفاق الجميع، حركات مسلحة وادارات اهلية،  فالذين استمعوا الى المقدوم ادم رجال مقدوم مقدومية نيالا، والملك رحمة اللة ملك الفاشر والناظر موسى جالس ناظر البرقد وعدد اخر من رموز دارفور عبر راديوا دبنقا عقبة تشكيل اللجنة المعنية بدراسة الامر ، واتفاقهم التام مع الحركات المسلحة  حول احقيةالاقليم الواحد، وكذلك رفضهم القاطع لتدخلات المؤتمر الوطنى، يصل المرء بان اهل دارفور اصبحوا واعين بقضاياهم اكثر من اى وقت مضى. نحن نريد تعزيز هذا الوعى بالحوار البناء الهادف بين كل فعاليات دارفور السياسية والاجتماعية حول قضايا الاقليم المصيرية ولاسيما فيما يتعلق بوضعية الاقليم الادارية. ان اهل دارفور مؤهلون اكثر من غيرهم بحكم الخبرة التاريخية فى شأن الادارة والحكم فى ايجاد مخرج سليم لكل ازمات الاقليم اذ تنحى المؤتمر الوطنى جانبا ، وسوف تعود دارفور مرة اخرى موحدة قوية لتلعب دورها الرائد فى وحدة السودان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *