الصويّم واشباح فرنساوي .. رؤية نقدية/ابراهيم سليمان

الصويّم واشباح فرنساوي .. رؤية نقدية/ابراهيم سليمان

صوت من الهامش

أشباح فرنساوي سرد تراجيدي للروائي الكبير منصور الصويّم، جسّدت مأساة شاب من اصول تشادية، التقى مصادفة بطوف من قوات الشرطة في ادغال جنوب غرب دارفور، إلا انهم تفاجؤوا بأنه “مصفّح” بالحِجبات والتمائم، نشأت بينه وضابط الشرطة علاقة غير متكافئة، تخللتها الوشاية والنميمة، واطماع النفس البشرية الأمّارة بالسوء، اوعز للضباط أن يتخذوا جسده النحيل حقل تجارب للجدل الأسطوري بين العلم والخرافة، فلا غرو ان يضعوه بشكل متكرر كهدف لمرمى ذخائر رشاشاتهم في الخلاء، ومسدساتهم خلال “خميساتهم” الماجنة، واداة للتنشين والتدريب على الرماية، إلى ان أجهز عليه العقيد مدثر الجاك نهائياً بعد جز أعضائه التناسلية، وقد تورّط هذا الضابط التعيس من قبل في سحل بدويّ شاب موقوف على ذمة التحقيق حتى الموت، وفيما بعد أغتال صديقه وجليسه في الخمر، اسدى له معروفا بمساعدته في استعادة فحولته بعد موتها، هذه المشاهد، ترسم صور لا إنسانية، سببها الفساد السلطوي، وتُجّسد فظاظة ووحشية الإنسان ضد اخية الإنسان في ابشع صورها.

بدأت الرواية بشكل مقلوب، ثم استمر السرد بصورة شبه دائرية او حلزونية، حيث بدأت من مدافن الكنجو بمدنية نيالا، المرقد الأبدي للبطل، لخّص فيه الراوي مجمل الحكاية، ثم استمر في تكرار اجزاء من وقائع الأحداث، وظل يضيف إليها تفاصيل جديدة في كل مرحلة، وهو أسلوب معروف ادبياً بالسرد الدائري، وبهذا النهج، استطاع الراوي تمتين النسيج البنيوي للأحداث.

لم تأبق القصة عن التقليد، حيث بدأت من ادغال الهامش والريف السوداني، وانتهت في احياء العاصمة، وهنا تأكيد للمركزية الثقافية، السلاح والخمر والنساء حاضرة بكثافة في معظم وقائع الرواية بين نيالا والخرطوم من دون تعمد اثارة او ابتذال.

وانطلاقاً من مبدأ “لا عمل روائي برئ” ورغم الواقعية الظاهرة، فإن المَشاهد المأساوية في هذا العمل، يحتمل الترميز ليد السطلة المركزية الغليظة في الهامش السوداني، خاصة الملتهب منه. فالمرجعية الإثنية لبطل الرواية (تشادي)، وتحديه جسدياً ذخائر رجالات البوليس، يعني التمرد على السلطة المركزية، أي أن تقديراته كانت خاطئة، بركونه على “الحِجبات” كواقي من اذية بني جنسه، وفات عليه، أن من لم يقتله الرصاص، قتلته الأيدي الباطشة.

“أمسيات مجنونة، وسهرات ماجنة أقامها سيادة العقيد برفقة أصدقائه من كبار رجالات ووجهاء المدنية: قضاة، ومحامون، وسياسيون وبرلمانيون محليون، موظفو المحافظة وموظفو بنوك وضرائب، وزكاة، تجار محليون ووافدون، لاعبو كرة، وشيوخ إدارة أهلية .. كل الغريب والمنفلت يجمعه سيادة العقيد ويفرغه في خميسات تكساس جنوب”.

بهذا المشهد، يرسم لنا الراوي الفساد الذي يعاس في عقر دار الحكومة، والمجون المحمي بالسلطة الرسمية، وبتخطيط وتدبير من رموزها.

إلا أنه حين يقول: “.. كما أن في أمسية اليوم ستدار المباراة المنتظرة بين حضرة الملازم ياسر والقاضي مولانا عصام، ستكون حماسية وممتعة وحاسمة، لا سيما أن عصاما-مولانا- لا يسكر قط، وإن تجرع برميلاً من العرقي المُر..” كأنه يرمى إلي تنزيه القضاة من الغفلة، ويحاول بث الطمأنينة على مجرى سير العدالة، رغم أن القاضي العربيد، هو قاضي النظام العام بالمدينة.

يصّور لنا الراوي تلك الليالي الماجنة والسهرات المجنونة بحي تكساس، بأطراف مدينة نيالا، كأن هذا الحي الطرفي، اسم على مسمى، تجد عمقه عامرة بقوارير الويسكي والجن والمعدة كؤوسها في فن ورقي حضاري، وسامة الأنامل وهي توزع اوراق الكوتشينة على موائد القمار، لفافات “البانجو” الخضراء الساطلة، الجراد الزيتون، والجبنة المضفّرة .. عاهرات خرطوميات يأتين سراً، قوّادات، سحاقيات، محاولات قتل ونداءات الانتحار، تهتك جماعي، عري وجنس مكشوف، رقصات البورنوغرافية.

ما الذي يفعله ماجنيّ تكساس ست الاسم، ولم يفعله ماجني تكساس نيالا؟ لا شك أن هذا المشهد من البذخ والمجون، ستغار او ستخجل منها الخرطوم ذات نفسها، والفرق شاسع، عندما اجتهد شخوص الرواية في تجديد تلك الليالي الماجنة بالسامراب شمال، ضاحية الخرطوم، فكان زادهم “القوانص” والعرقي الرخيص، والمقارنة بين رمال نيالا الناصعة، وطين ضاحية السامراب اللزق، ولا ندري، هل أراد الراوي النيل من مدنية نيالا، ام قصد ان يعلو من شأنها؟

يحاول رفقاء ليالي نيالا (الجلادون)، ترجيع صدى مشروخ للخميسات المجيدة، و”القعدات” المِلاح، لكن اشباح (الضحية) عوض فرنساوي ورفاقه في السحل والتنكيل، تفسد عليهم تلكم الذكريات، يتسلل لهم اشباح عوض عبر النوم، يأتيهم دون استئذان في طاقيته التشادية او عارياً مندساً في مظروف رصاص. تأنيب الضمير، وإدانة ابدية، وملاحقة أشباح ارواح بريئة لأشرار.

اشجار الليون (بدون ميم، ليست الليمون)، غزلان ام تِكدِم، عيدان العَقيق، فرنقبية، وادي دفّاق، والكثير من الأسماء والمفردات، تفضّل بها الراوي على القارئ من خلال السرد المأساوي المتفرد عن تلك البقاع العذراء من ربوع الهامش السوداني.

شخوص الرواية

عوض فرنساوي، بطل الرواية، تشادي غريب الأطوار، وجد نفسه مشدوداً لقدره المحتوم، عاجز الهروب عن مصيره الغامض، شخصية مؤثرة على كل من يحيط به.

العقيد مدثر الجاك: منفصم الشخصية، دموي، ليس فيه إلّاً ولا ذمة، سكّير وعربيد، يرمز للسلطة الرسمية، حامي الفساد، وراعي المجون، ومجنون سلطة، ومتسلط، قاتل البطل عوض فرنساوي داخل محسبه الانفرادي، وقاتل البدوي الشاب، وهو كذلك من اغتال صديقه مسعود في جلسة خمر، ظل مطاراً بأشباح وأنفاس ضحاياه.

الملازم ياسر عبد الرحيم عثمان: جلابي، حلبي، انتهازي، عديم الأخلاق، يتحّرش بزوجات أصدقائه ومعارفه، ابن مصارين بيض، يعرف ماذا يريد، اغتنى من الوظيفة العامة خلال عام واحد فقط، ليعود ادراجه ويستقر في الخرطوم، ذكر الراوي “ان مثله ترّتب له الدرجات وتهيأ له فرص الترّقي”. اول من اتخذ جسد البطل “المصفح” فرنساوي كدرقة للتنشين الحي والرماية.

الرقيب بشير دفع الله جاد السيد: كان شاباً متفوقاً في كل شيء حتى الرقص (البريك دانس)، اجبرته ظروف قهرية على لبس كاكي ابيه (شاويش الشرطة النزيه)، لا ارومة ولا قبيلة له، ولد بلد، لكنه سلبيَ، صديق عزيز ووفي لبطل الرواية عوض فرنساوي، خصه بحجابه “الكارثي” قبل رحيله بمستشفى نيالا الملكي، فقد اختار مرافقته دون تكليف من احد ودون استئذان، بعد أن سحله العقيد مدثر الجاك، حبه للشعر واهتمامه بالفلسفة، سبب تقاطعه ورفقته المجيدة للراوي، وهو (أي الرقيب بشير) الراوي الفعلي والمباشر لوقائع الرواية.

عفاف: فتاة لعوبة، ومغرية، بائعة شاي، عشيقة ثم زوجة عابرة للرقيب بشير، نقطة تقاطع معظم شخوص الرواية، وهي سبب تعشعش الهواجس والشكوك بينهما.

شُلة بيت العزّابة بالسامراب: المكونة من “عقاب” خميسات حي تكساس بنيالا البحير، ونخبة شبابية، يشكلون رهط مثاقفاتية اغراب، يجمعهم الخمر والمجون المتكلف، وهنا كأن الراوي يريد أن يقول لنا، أن الخمر قرين الإبداع وملزم للمثقف.

الراوي غير المباشر محمد لطيف: يبدو انه يعاني من فقر عاطفي، وفاقد حنان، يقع بسهولة في احضان اية انثى تصادفه، او يجمعه معها ظروف عمل. وصفته احدى صديقاته بأنه دائماً مرتبك وعجل وقلق على شيء ما.

تتألف الرواية من ستة عشر فصلا، كل فصل يبدأ بأبيات لشعراء خاملين، المعروفون منهم فقط عبد الرحيم ابو ذكري والصادق الرضي، ومقطع نصيّ للأديب منجد باخوس، هذه الأبيات النثرية والمقاطع النصية، لو لا غموض معظمها، لكانت بمثابة استراحة من رهق الشد العصبي للقارئ، لذلك بالإضافة لبعض تفاصيل الحياة المهنية للراوي، يمكن النظر إليها كمحاور تشتيت لذهنية القارئ.

قراءة هذا العمل السرديّ “المسّبك” تحتاج إلى اعصاب قوية، وهي من نوع القراءات التي تستلزم عض الأسنان وصرّ الوجه، أي أن القارئ لا انفكاك له من أن يعيش الأحدث بمراراتها ويتفاعل معها، سيما وأن هناك عدة شواهد تشير إلى أن مشاهد واحداث الرواية واقعية، وأن شخوصها أناس حقيقيون، وبعضها إضافات نزقة، على حد وصف الراوي، ويبدو أن الكاتب هو الراوي نفسه، رغم زعمه أن اسمه، أي الراوي، محمد لطيف، يعمل مدققا لغويا او مصححا بصحيفة يومية. ورغم المأساوية، بكل تأكيد أن القارئ لهذه الرواية سينبهر بمهارة منصور الصويّم في تطيّع اللغة، ويحتفي بأسلوبه الوصفي الماتع.

انتهت الرواية، بهجرة الراوي المباشر، وصانع الأحداث، بشير دفع الله جاد السيد، والراوي غير المباشر محمد لطيف، إلي خارج البلاد، كمحاولة للهروب من اشباح عوض فرنساوي، ورغم وداع الراوي لحبيبته “ميناس” في جو احتفالي صاخب، ظل إيقاع مسرح أحداث الرواية(الفرنقبية)، هو الطاغي الذي يشّنف آذان الراوي رغم استكانة حبيبته على صدره، وهي لحظات بلا شك استثنائية وحاسمة في حياته. مما يعني ان الراوي، وجد نفسه ضمن زمرة الجلّادين، ملاحق ابديا بأشباح البطل فرنساوي، بل انتقلت تلك الأشباح لحبيبته ميناس التي ورثت وظيفته وأشيائه، ونسخت السرد المأساوي، وعمل عليها بطريقتها الخاصة.

[email protected]

للإطلاع على المقالات السابقة:

http://suitminelhamish.blogspot.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *