السودان يواجه خيارات اقتصادية صعبة: تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2009/2010م

السودان يواجه خيارات اقتصادية صعبة: تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2009/2010م

بقلم: دهب الخزين مأمون
[email protected]

كشف تقرير صدر مؤخراً ( يوليو 2009م) من صندوق النقد الدولي – الذي أرسل بعثتين للسودان خلال العام الجاري لتقييم الوضع الاقتصادي فى السودان – أن مؤشرات التدهور في الاقتصاد السوداني تقتضى من الحكومة السودانية القيام بتغييرات كبيرة فى سياساتها الاقتصادية والمالية والنقدية وسياسات صرف النقد الأجنبي.

وقد ورد فى التقرير أن احتياطيات النقد الأجنبي فى السودان شهدت تراجعاً كبيراً خلال الأعوام الأخيرة حيث تراجعت احتياطات النقد الأجنبي من 2 مليار دولار أمريكي كما فى منتصف 2008م إلى 300 مليون دولار فقط كما فى مارس 2009م. وقد أوضح صندوق النقد الدولي ان هذا التراجع يعزي لانخفاض أسعار البترول الذي يعتبر أحد الصادرات الرئيسية للسودان والتدخل المكثف من البنك المركزي لأجل المحافظة علي استقرار سعر صرف الجنيه السوداني. وأوضح التقرير أن حكومة السودان قللت مؤخراً التدخلات لتثبيت سعر صرف الجنيه مما أدي إلى انخفاضه مقارنة بالدولار الأمريكي من 4% كما فى الربع الأخير من عام 2008م إلي 8% كما فى الربع الأول من عام 2009م. وقد أدي تراجع احتياطيات النقد الأجنبي إلى قيام الحكومة السودانية مؤخراً إلى تقييد سقف العملات الأجنبية بالنسبة للإفراد المسافرين للخارج.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (real GDP) إلي 4% مقارنة بـ 11.3% كما فى عام 2006م و10.2% كما فى عام 2007م و6.8% كما فى عام 2008م. وانتقد صندوق النقد الدولي ميزانية عام 2009م قائلاً: “إن الافتراضات التي قامت عليها الميزانية أثبتت أنها خاطئة حيث قامت علي افتراض أن سعر برميل البترول 65 دولار أمريكي بينما تشير الأسعار المحدثة إلي أن سعر برميل البترول يبلغ 36.8 دولار أمريكي للعام الجاري و 44.7 دولار أمريكي لعام 2010م”. وأوضح الصندوق بأنه اكتشف ان نصف المصروفات بالنقد الأجنبي تتجاوز مخصصات ميزانية الإنفاق الرأسمالي، وأبان الصندوق بأن افتراضات التمويل الأجنبي قامت علي تقديرات خاطئة. و أوضح التقرير أن ديون السودان المستحقة السداد لأطراف أجنبية قفزت من 15 مليار دولار أمريكي فى عام 2000م إلى 34 مليار دولار أمريكي، وذلك نتيجة لتراكم مستحقات ديون دول نادي باريس والدائنين الآخرين ونتيجة الاستدانة من الدول والصناديق العربية وكذلك من الصين والهند. وقد أخطرت حكومة السودان صندوق النقد الدولي أنه فى ضوء الموقف الصعب بالنسبة لاحتياطيات النقد الأجنبي فإنها لن تتمكن من تسديد مستحقات ديون الصندوق عليها واقترحت ان تدفع فقط 10 ملايين دولار أمريكي عن عام 2009م مقارنة بإجمالي مدفوعات بلغت 50 مليون دولار فى عام 2007م و2008م. وقد طالب الصندوق حكومة السودان بتقليل الاستدانة بشروط غير ميسرة (قروض بسعر فائدة كبير) لتبلغ 700 مليون دولار فى عام 2009م، وقد أوضحت حكومة السودان ان تراجع أسعار البترول وعدم توفر التمويل بالشروط الميسرة والاحتياجات التنموية الضرورية المرتبطة بمختلف اتفاقيات السلام جعلت التمويل بالشروط غير الميسرة أمرا ضرورياً ولازماً.

وقد أوصي صندوق النقد الدولي حكومة السودان بأن “هناك حاجة ملحة لإجراء مراجعة شاملة للسياسات الضرائبية والتحرك بسرعة لتخفيض إعفاءات ضريبة القيمة المضافة وإصلاح هيكل ضريبة الدخل الشخصي بما فى ذلك تخفيض الحد الأدنى لهيكل الضريبة وإلغاء الإعفاءات بالنسبة للأشخاص الذين يبلغون 50 عاماً فأكثر ورسم خطوط فاصلة بالنسبة لتشريعات الضرائب علي مستوي الحكومات الولائية”. كما أوصي الصندوق حكومة السودان باستحداث مصادر إيرادات جديدة، إضافة لتلك المستحدثة فى ميزانية 2009م، والتي تشمل زيادة الضرائب علي السجائر وتعزيز الجهود لتحصيل الضرائب. إضافة إلى ذلك، أوصي الصندوق حكومة السودان بتخفيض تدخلاتها فى سوق العملات الأجنبية وإزالة القيود المفروضة عليه حيث أوضح الصندوق ان تدخلات الحكومة لن تعالج المشاكل المرتبطة بالطلب الزائد علي العملات الأجنبية.

إن انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي قد يؤدي إلى زيادة أسعار الواردات مما سيؤثر فى تكاليف المعيشة وزيادة معدلات التضخم، وقد قلل الصندوق من تأثير انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني قائلاً: “بأن الاتجاه التراجعي لأسعار المواد الغذائية عالمياً والنمو المتباطئ للطلب المحلي يجب أن يقلل المخاوف من التضخم والمرتبطة بمرونة كبيرة فى سعر الصرف”. وقد طالب الصندوق حكومة السودان بتخفيض الإنفاق الحكومي وخاصة التحويلات الكبيرة للولايات التي تعاني من شح السيولة ونقص في الإنفاق الرأسمالي.
بناء علي ذلك، فان برنامج الصندوق المقترح يدعو حكومة السودان إلي زيادة الإنفاق علي مشاريع البنية الأساسية والى أهمية استحداث برامج ومنظومة خدمات ضمان اجتماعي لإحلال برامج الدعم والإعانات الحكومية.

أوضح التقرير كذلك انه يجب علي حكومة السودان بذل الجهود لإصلاح النظام المصرفي الذي يعاني من ارتفاع حجم التمويلات والقروض المتعثرة، وأشار صندوق النقد الدولي بشكل محدد إلي بنك ام درمان الوطني والذي أوصي الصندوق بأنه يحتاج إلي معالجة سريعة، وقد أوضحت حكومة السودان بان القروض المتعثرة لبنك ام درمان الوطني تمثل نصف القروض المتعثرة للنظام المصرفي السوداني وحوالي 28% من التمويلات المتعثرة فى البلاد وأخبرت حكومة السودان الصندوق بأنها ستعد خطة لإعادة هيكلة بنك ام درمان الوطني بنهاية عام 2009م علي أساس توصيات لجنة مراجعة مستقلة.

إن برنامج مراقبة صندوق النقد الدولي للاقتصاد السوداني يستلزم قيام حكومة السودان بتقديم العديد من التقارير للصندوق والمتعلقة بالعديد من المؤشرات الاقتصادية والمالية بعضها علي أساس أسبوعي وبعضها الآخرعلي أساس شهري وفصلي كجزء من برنامج الصندوق لمراقبة الاقتصاد السوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *