أبو بكر القاضي : [email protected]
(تكالبت علىّ الاعاجم) هذه نكتة تنسب للبروفيسور عبدالله الطيب قالها عندما نافس بروفيسور الشوش حول عمادة كلية الآداب في جامعة الخرطوم حيث فاز عليه بروفيسور الشوش الذي تعنصر له اهله ــ الرطانة ــ من النوبيين (دناقلة. سكوت. محس وحلفاويين). والعبارة بالطبع لها مدلول كبير له صلة بالموضوع الذي نحن بصدده. رحم الله بروفيسور عبدالله الطيب فقد كان متواضعا يتواصل مع الطلاب ويحترم الفكرة الجمهورية.«وشاورهم في الامر.. فاذا عزمت فتوكل..». هنا تدخل البروفيسور عبدالله الطيب في الحوار وقرأ آية (وأمرهم شورى بينهم..).. كان موقع ركن النقاش بحديقة كلية الآداب التي تواجه والشارع الرئيسي بجامعة الخرطوم وقاعة الامتحانات وبرؤية الطلاب للعلامة البروف تجمعوا في سرعة البرق وحضر الكل حتى اولاد وبنات الخرطوم (وكانوا يسمون حناكيش) الذين كانوا يجلسون عادة على المقاعد الثابتة بنهاية الشارع الرئيسي جوار النصب التذكاري للشهيدين القرش وبا بكر عبدالحفيظ. ولي عودة باذن الله الى مسألة (تكالب الاعاجم) وسأجعل من هذه المقدمة مدخلا على صلتي بالفكرة الجمهورية.لا مناص من الاجابة والرد على الأخ بدر الدين الامير الذي يجادلني بموضوعية والاستاذ ياسر محجوب في مقال واحدة وذلك للارتباط ووحدة الموضوع رغم الفارق الكبير بينهما حيث اتجه الاخير الى شخصنة الحوار على طريقة شيخه الرائد العقيد يونس محمود ذلك الاعلام الذي طال لسانه الكبير والصغير حتى حكماء العرب.بدأ الاستاذ ياسر مقاله المنشور بجريدة الوطن بتاريخ 1 فبراير 2005 بالعبارة (دائما زائغ العينين..) ويشرح هذه العبارة الغامضة نوعا وبكل وضوح الأخ الصديق بدر الدين الامير في مقاله ايضا بجريدة الوطن بتاريخ 5/2/2005 بمدخله الذي يقول فيه: (بين ارق المتنبي وقلق ابو بكر القاضي تأزم البحث عن الانتماء للمركز او السلطان. فعند المتنبي كافور الاخشيدي بديل لسيف الدولة الحمداني. ولدى ابو بكر القاضي الترابي بديل لمحمود محمد طه). وللرد على ابناء النخبة النيلية حول هذه النقطة افيد بالآتي:لقد ظلمني الأخ بدر الدين حين شبهني بالمتنبي الذي يقرع ابواب السلاطين بحثا عن السلطة وأشرح ذلك في الآتي:
أ- لقد التحقت بالفكرة الجمهورية عام 1974 وقتها كان اتباعها بالمئات فقط وقد صدر على الاستاذ محمود وفكرته حكم محكمة الردة عام 1968 فانا لم اطرق باب السلطان اذن لأن باب السلطان في ذلك الوقت هو الاتحاد الاشتراكي او حزب الامة والاتحادي الديمقراطي.
ب- لقد اختار الشهيد محمود الموت عام 1985 وتركنا ايتاما مقطوعي الرأس فاعلنت القيادة الجمهورية ان الدعوة الدينية التي لا تنتصر في حياة صاحبها ناقصة وفي رواية اخرى فتنة وذلك نقلا عن الاستاذ محمود نفسه. ثم قامت دولة الرسالة الاولى في السودان عام 1989 وهذا دليل على ان هذا ليس (وقت) الرسالة الثانية لأن الاستاذ محمود قال فيما معناه (ما قيدت الشريعة الا ليطرح هو الرسالة الثانية). باختصار التحقت بالحركة الاسلامية باعتبارها مشروع آبائي واجدادي (الفلان) عام 1994 بعد ان مات (النشاط) الجمهوري وشبع موتا (ملحوظة الافكار لا تموت).
ج- عندما وقعت المفاصلة بين الاسلاميين بسبب الصراع في قمة الحركة على السلطة والثروة كان انحيازي لجانب المؤتمر الشعبي جناح الترابي. ولو اني اريد مركز السلطة لكان الاوجب ان انحاز للمؤتمر الوطني والحكومة التي بدأت عائدات البترول تتدفق عليها. فانا في الحركة الاسلامية معني بالدعوة وليس السلطة لذلك بادرت في الدوحة لانشاء المدرسة السودانية لتكون جسرا لربط ابناء السودان بالخارج ومشروع السودان واحضرت المجلس الافريقي للتعليم الخاص التابع للمنظمة الدعوة الاسلامية ولم تكن المدرسة جهدا فرديا مني واذكر في هذا الخصوص جهود الرجال الذين عملوا بكل تجرد المرحوم عمر محمد الحاج وهاشم حسن وعبدالله السر مسؤول ملف المدرسة والاخوان يوسف بشير وعبدالرحمن بشير ولجنة التسيير التي عملت ليل نهار ــ حافظ الشيخ وعمر عبدالله وعبدالعزيز الصادق والمهندس فتحي وعطا المنان اليمني والاعتذار لمن فاتني ذكر اسمه.
د- لقد خرجت من سجن محمود محمد طه الفكري الضيق الى باحة الفكر الاسلامي والانساني الواسعة فاكتشفت ان مشروع محمود طه لا يختلف عن مشروع الترابي وانصار السنة (يجمع بينهم الثلاثة مشروع الاسلمة والتعريب) فالفكرة الجمهورية تسمي نفسها «الدعوة الاسلامية الجديدة» ودستورها هو كتاب (طريق محمد) فهي داعية لدولة دينية على رأسها (رسول) يشترط ان يكون قرشيا من العترة النبوية. تتحدث عن الديمقراطية تقية وتنتظر انقلاب الفجر في ليلة القدر بقيادة المتدلي من حضرة المتجلي.خرجت الى باحة واسعة ومنهجي الجديد في حياتي هو (العقلانية) واساتذتي في ذلك مدرسة المعتزلة وقد تشرفت بالدفاع هنا في الخليج عن الشهيد ابن المقفع والشهيد فرج فورة وطه حسين واسامة انور عكاشة.ومن اساتذتي نجم الدين الطوفي ومدرسة المقاصد من امام الحرمين حتى استاذها الامام الشاطبي ومن بعده مدرسة جامع الزيتونة ــ محمد ابن عاشور. ومن اساتذتي مدرسة المنار ورموزها الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ثم مدرسة الاعتدال ورائدها الشيخ القرضاوي. فانا ناشط اصلاحي معني بالتغيير الاجتماعي والفلسفة والفكر والادب والثقافة والسياسة تشكل آخر اهتماماتي.
هـ - انا معني بمشروع السودان الجديد كمشروع فكري (وطني) يتجاوز آفاق الدين والاعراق والجهويات لبناء مشروع وطني يقوم على الوطن والمواطنة وذلك لانهاء احتكار الاقلية المستعربة ليكون السودان وطنا للجميع. لهذا السبب كان انحيازي للحركة الشعبية لتحرير السودان ومشروع السودان الجديد كما قمت بالانحياز لقضية دارفور وحركة العدل والمساواة. وعندما قمت بهذا الانحياز لم اكن متطفلا ولا فضوليا متبرعا وانما بصفتي صاحب قضية ومتأزما واكبر دليل على ذلك هو محاولة الأخ ياسر محجوب الشحيفة في الاستعلاء العرقي والتكفير السياسي. فالنخبة النيلية العربية ــ المستعربة ــ مشروعها اقصائي فان انت اختلفت معها في الدين تحكم عليك بالردة وان اختلفت معها في السياسة تجردك من الوطنية والجنسية السودانية ! وانحيازي لحركة العدل والمساواة سببه وحدة المصير كوننا غرابة. وانا معني في المقام الاول بمشروع تحالف المهمشين من اجل بناء سودان جديد. اتفاقية السلام قسمت السودان الى دولتين بهويتين وثقافتين. هدفنا تجاوز الدولة الاسلامو عروبية الانقاذية الاستعلائية وبناء سودان جديد يفك احتكار الاقلية المستعربة.علاقة الدولة الاسلامية بالسودان عبر مصر هي علاقة جزية ولم تكن علاقة مساواة اتهمني الاستاذ ياسر باني اكره العرب. وأحب ان اشرح نفسي في هذا الخصوص بالآتي:
1- لا اكره احدا لأن تربيتي تقوم على التسامح. ولا احمل حقدا حتى على المؤتمر الوطني او الجنجويد واتعامل مع اعضاء المؤتمر الوطني في الدوحة بكل محبة وتقدير واعرف لهم فضلهم. اكثر من ذلك اعرف لاعضاء المؤتمر الوطني في الخرطوم فضلهم وانا اتهم العقلية الامنية التي تحكم في الخرطوم والتي امرت بالابادة والتطهير العرقي في الجنوب وفي دارفور وأخيرا في بورتسودان وقد اتهمت لجنة الامم المتحدة (51 شخصا).
2- اذا كان الأخ ياسر يقصد بكلمة (العرب) النخبة النيلية فهذه مشكلته الكبرى فانا لا اعتبر النخبة النيلية (عربا) نعم لسانهم عربي ولكنهم ليسوا عربا وهذا مربط الفرس.
3- اننا نعلم ان (حب العرب من الايمان) الحديث ولكن هذا الحديث لا ينطبق على مستعربي السودان ــ عروبة اللسان ــ في حين ان ثقافتهم هي ثقافة افريقية خليط بين المسيحية والوثنية على الاقل من منظور أهل الجزيرة العربية. فثقافة اهل شمال السودان في المأكل والملبس وطقوس الزواج والموت.. الخ لا صلة لها بالجزيرة العربية. وأحيل القارئ الكريم في هذا الخصوص الى كتابات الاستاذ محمد جلال.
4- شمال السودان موطن لحضارات عريقة مثل حضارة نبتة وسودان وادي النيل يقع بين حضارتين عريقتين هما الحضارة المصرية والحضارة الاثيوبية ــ الكوشية. وموطن للديانتين اليهودية والمسيحية. نعم اليهودية وفي هذا الخصوص يورد د.منصور خالد في كتابه (السودان.. أهوال الحرب.. وطموحات السلام ــ قصة بلدين) ص676. ان اول شخص تم تعميده مسيحيا كان سودانيا.ولكن شمال السودان لم يمكن وطنا للاسلام. وأهل الشمالية في شأن الاسلام تابعون وليسوا ائمة ولا قادة. الاسلام دخل السودان من الغرب. حتى عهد قريب (1504) كان وسط السودان وشماله نصرانيا (ممالك علوة والمقره وسوبا) المسيحية. فاصل الغرب القريب (دارفور وكردفان) والغرب البعيد (الاسلام حول بحيرة تشاد. وحوض نهر السنيغال. بلاد التكرور وشنقيط) هم الذين ادخلوا الاسلام في السودان.
5- النخبة النيلية السودانية المستعربة متأزمة لأنه ليس لها (دولة اسلامية) ولا حضارة اسلامية من صنع (ابناء الشمالية) فدولة الفونج ومؤسسها عمارة دنقس لا تعبر عن كيانهم ودولة المهدية لا تعبر عن كيانهم ايضا رغم ان المهدي من دنقلا (شمال السودان) الا ان الذين ناصروا المهدية هم اهل غرب السودان بالمعنى الجغرافي الواسع ودارفور نفسها التي اتى منها الخليفة عبدالله التعاشي لم تكن تابعة للسودان آنذاك.الانجاز الاسلامي الوحيد لنخبة النيلية هو اسلام النميري والانقاذ (مبروك) ! الاعراب الذين قدموا الى السودان من رعاة الابل كانوا رعاة ولم يكونوا دعاة ولم يسمع احد منهم بموطأ الامام مالك ولا احياء علوم الدين للغزالي !!لهذا السبب فان ابناء النخبة النيلية في اواسط السودان وشماله يدركون تماما سطحية جذورهم الاسلامية لذلك يعوضون عنها بتضخيم الذات دينيا بقباب الصالحين وعروبيا بزعم بالانتماء الى آل البيت وقبيلة قريش والى الدولة الاموية والعباسية. بالمقابل فان انسان دارفور مثلا لا يحتاج ان يضخم نفسه عروبيا واسلاميا لأن لديه حضارة وممالك اسلامية اعطته تماسكا داخليا كافيا. شعب الفلان اقام دولة صكوتو الاسلامية بقيادة المجاهد والعالم الشيخ عثمان دانفوديوا وقد كتب الشيخ عثمان وشقيقه عبدالله وابنه محمد بيلو ومن بعدهم الشيخ عمر الفوتي كتب هؤلاء العلماء كميات هائلة من الكتب اذكر منها على سبيل المثال للشيخ عثمان الآتي:
1- تنبيه الاخوان على احوال ارض السودان.
2- سراج الاخوان في اهم ما يحتاج اليه اهل هذا الزمان.
3- نجم الاخوان يمتدون به في هذا الزمان.
4- وثيقة الاخوان لتبيين دلائل وجوب اتباع الكتاب والسنة.
5- ارشاد الاخوان الى احكام خروج النسوان.
6- تعليم الاخوان الامور التي كفّرنا بها ملوك السودان هذا وثابت ان الامام حسن البنا مؤسس حركة الاخوان المسلمين قد درس هذه الرسائل واستلهم منها اسم الاخوان المسلمين. ان الفلاني الذي يمتلك هذا التراث الضخم لا يحتاج ان ينسب نفسه الى الدولة العباسية او الاموية لان ادعاء السوداني للعروبة لا يعدو ان يكون احتقارا وكرها للذات !!
6- مشكلة النخبة النيلية المستعربة وهي تدعي الاصالة العربية تدرك تماما ان اهل الجزيرة العربية لا يعترفون لهم بهذه «الدرجة» من اصالة العروبة بل ان دولة لبنان قد اعترضت على قبول السودان في الجامعة العربية بحجة ان اهل السودان ليسوا عربا. ان العالم العربي يتعامل مع السودان باعتباره شأنا مصريا. بالنظر الى علاقة تاريخ الدولة الاسلامية بالسودان عبر مصر نجد ان هذه العلاقة هي علاقة (جزية) لكون ان منطقة الشمالية حتى الوسط هي منطقة مسيحية وذلك منذ اتفاقية البقط التي ابرمها عبدالله ابن السرح حتى حملة محمد علي باشا التي كانت من اجل العبيد والذهب. والجزية مرتبطة بالصغار والهوان (عن يد وهم صاغرون). لذلك فان العرب الاقحاح لا ينظرون الى السودان الا من هذا المنظور التاريخي «ادري انك عبيد. لكن اسمك شنو؟».
7- سبب التوتر عند الاستاذ ياسر هو دعوتنا لتحالف المهمشين وهو تكالب الاعاجم الذي اسقط عبدالله الطيب رمز المشروع العربي.وسيكون عبر صناديق الانتخابات كما هو فوز الشوش ولكن هذه المرة سيكون الفائز هو الدكتور جون قرنق زعيم المهمشين.