بسم الله الرحمن الرحيم   

 / العودة الى القديم النوبي الثقافي تعتبر حلا جيدا لقضايانا

 /  عبدالغني بريش فيوف / امريكا

   

اصبح من البديهيات بعد التوقيع على اتفاقية السلام السودانية ومنح الجنوب حق تقرير المصير ان نطرح على أنفسنا  كافة الأسئلة ، وعليه يتعين ان نتساءل نحن النوبة هل بقاء جبال النوبة في إطار الهيمنة الثقافية العربية اي الشمال مفيد ؟ ولعل كلمة الهيمنة هذه وحدها تكفي لتبرير حملة نوبية قوية بلا هوادة ضد احادية الثقافة التي سادت وتسود حتى الان والتي جردت النوبة من خصائصها،ولو اننا قبلنا بالآحادية الثقافية لكان من العبث حمل السلاح لمنازلة الذين فرضوا علينا ثقافتهم بالاكراه والقوة -

ان هدف الدراسات العربية في الثقافة والتاريخ السوداني،هو دفع غير العربي والانسان النوبي في الاساس الى الاعتقاد،تحت ستار العلم والنظريات العربية الخاوية،بانه لم يكن في يوم ما مسئولا عن اي شئ ذي بال،ولايملك في الاصل شيئا يذكر ) الفور،النوبة،البجا، الخ( وهكذا يصبح التخلي والعدول عن اي طموح لهذا الانسان النوبي او الفوراوي او البجاوي امرا يسيرا خاصة لدى المترددين،ويتم تعزيز ردود الافعال الدافعة الى الخضوع لدى من عانوا من قبل من الاغتراب وعليه يوجد الكثير من المنظرين في خدمة الهيمنة العربية وتكريسها،وشذوا جميعا في الترويج لافكارهم المسمومة وتسويقها على نطاق شعوبنا غير العربية اول باول واستخدام التبعية الثقافية كأداة للسيطرة على هذه الشعوب --

من الواضح هنا ان المهيمن العربي المتغطرس ينكر على شعبنا النوبي العظيم اى قدرة على الابداع وهو أرفع قيمة للانسان، ولايعترف له الآ بالقدرة على المحاكاة في اطار } الرقصة العربيةْْ{ التي تعتبر من الرزائل والصفات الدنيا الرديئة ،وفي مواجهة هذا الوضع العام كان من البديهي ان يحدث رد فعل طبيعي نوبي للدفاع عن النفس) عن طريق حروبات( ترمي بالطبع الى وضع حد للاساءات اليومية المتكررة التي تعرضوا لها من جراء تلك الاسلحة الثقافية المدمرة التي يستخدمها المهيمن العربي .

ان هذا السم شربت منه معظم قبائلنا النوبية،وعليه يصبح من الضروري ان يعكف جميع النوبة على دراسة تاريخهم وحضارتهم لكي يتعرفوا على أنفسهم على نحو أفضل،ويتوصلوا من خلال الدراية الحقيقية بماضيهم الى جعل تلك الاسلحة العربية بالية فارغة ومدعاة للسخرية وغير فعالة .

هناك من يعتقدون ان التنقيب في اطلالات الماضي للتوصل الى حضارتنا النوبية ليس سوى مضيعة للوقت إزاء الطابع الملح والماس للمشاكل القائمة،وهو موقف عفا عليه الدهر،وعلينا ان نقطع علاقتنا بكل هذا الماضي المشوش والهمجي واللحاق بالعالم الحديث الذي تندفع تقنياته بسرعة مزهلة والعالم في طريقه الى التوحد،وعلينا ان نكونوا في طليعة التقدم) على الشاكلة العربية( وسيحل العلم في القريب العاجل كافة المشاكل الكبرى بحيث تصبح تلك المشاغل المحلية والثانوية غير ذات جدوى ولامجال لان تكون هناك لغات تعبر عن ثقافة ما سوى ) اللغة العربية( التي اثبتت اصلا قدرتها على ذلك،مما يعني انها قادرة على نقل الفكر العلمي الحديث وانها جديرة فعلا.

وهذا الاتجاه يضم النوبة المنبرشون المنبطحون الرعاع اللابسون جلباب الجلابة ويبسون أرجلهم ويعانون اكثر من غيرهم من الانسلاخ الثقافي،والاندماج هو مخرجهم الوحيد،ويرجع ذلك الى قصر نظر ثقافي او الى العجز لانهم فقدوا لسانهم الأم بسبب الضغط العربي) نوبة سود بلا لغة( وبالطبع هناك الاتجاه العنصري العرباني المدمر الذي ينكر وجود مثل هذه المشاكل وطابعها الموضوعي،والواقع ان هذا الموقف ليس في صميمه سوى) هلاك مميت خطير(  لانه يوهم بالتقدم،ويخفي الميل الى التقليل من قيمة كلما هو نابع منا،وهذا السم الثقافي الذي يجري تسريبه الى العقول منذ نعومة الاظافر بكل مهارة اصبح جزءا لايتجزا من جوهرنا،ويظهر ذلك جليا في كافة الاحكام والافعال الصادرة عنا ---

هناك منا من يرفض رؤية أسرته او استقبالها لانها قادمة من الجبال لتو وتتحدث لغتها الاصلية،تم تغيير الأسماء التي من خلالها يمكن تتبع أصل وجذور اي شخص في اغلب الحالات،فمثلا أسماء مثل كرستوف،غورباتشوف،اندنوف الخ لها دلالات ومعاني معينة واصل محدد ولذلك لايحتاج المرء بذل كبير عناء للتعرف على شخص يحمل اسما من هذه الأسماء.

أسماؤنا النوبية مثل،سلوب،دريا،سوبا،اجمنا،ارشين،كوكو،كافي،في طريقها الى الاختفاء نهائيا نتيجة لهذا السم الثقافي الغازي لتتحول الى هيثم،معز،مي،مها،الخ و اصبح من الصعوبة بمكان اليوم التعرف على الانسان النوبي،انها جريمة ضد شعبنا النوبي

هناك في الولايات المتحدة الامريكية مثلا اكثر من خمسة مليون عربي هاجروا اليها منذ عشرات السنوات يعيشون وسط قرابة 300 مليون نسمة من الاغلبية البيضاء، لم يتعرضوا قط لاي ضغوطات ثقافية من قبل هذه الاغلبية،لكنهم اي }العرب{   يفعلون ذلك بدون خجل ويمارسون هيمنتهم الثقافية على اكثر من25 مليون سوداني غير عربي،انهم يدفعون النخبة الى تفتيت شعوبهم ومجتمعاتهم الى المشاركة بطريقة إجرامية او بريئة في تفتيت المجتمع وسحق النصيب الحي من الماضي وترك القيم الاساسية التي كانت بمثابة لحمة المجتمع اللغات،التاريخ الخ نهبا للهلاك والاندثار

هناك عدد كبير من ابناء النوبة الذين يطلقون على لغاتهم الحية)رطانةدون التوغل في معنى هذه الكلمة البزيئة لانهم يقراؤون ماضيهم ومجتمعاتهم من خلال المؤلفات العربية التى تحذف ما تحذف وتثبت ما تريد وبلا عقلية نقدية،انهم يتحملون جزءا كبيرا من الدمار الذي لحق لمجتمعنا النوبي لانهم لايبذلون جهدا لاكتشاف الحقائق وهناك عدد اخر منهم يتحدثون بعقلية المهيمن العربي ويعتزون بذلك بل هم أسوأ منهم بكثير،انهم يعتقدون ان الثقافة العربية مرسلة من السماء ولايجب مناقشتها البتة،انهم يرفضون تصحيح الأخطاء التي ارتكبت في الماضي ومستمرة حتى الان من قبل الجلابة ،كيف ينادون بوحدة اللغات ودمجها وهم يعلمون تماما ان )شيئا واحدا من لغاتهم وثقافتهم سوف لم ولن يجد طريقه الى هذا القاموس المزعوم (  الاندماج نفسه له شروط وهذه الشروط لاتتوافر في الحالة التي نحن بصددها

ان نضالنا سيفقد فعاليته ومعناه لو اننا لم نعمل على حماية ثقافتنا النوبية التي تؤمن ببقاء مجتمعنا الذي نكافحون من أجله ونرسم خططا للمستقبل المنظور بحيث تستوعب خصائصنا كشعب عريق،ما فائدة النضال اذا لم تدرس لغاتنا النوبية في المدارس  ،ما فائدة نضالنا اذا لم نضع منهجا يضبط سلوكنا كنوبة،او ما جدوى استبدال اللغة العربية بالانجليزية وكلاهما لغة استعمار، هذا خطأ جسيم  

يجب الآ تقوم الوطنية على إنزواء البعض لصالح البعض الأخر،فالتنكر للثقافة ومن طرف واحد)في حالة السودانبغية تبني ثقافة طرف اخر واعتباره توجها حضاريا يعني الانتحار،

يتعين على النوبة ان تستوعب الدروس التي مرت بها خمسين سنة الماضية باسرع ما يمكن،والتأخر الذي تراكم خلال هذه السنوات المرة القاسية يتطلب تعليم أبنائها،بيد انه يجب الآ نكونوا واهمين، فالتعليم والتطور والتنمية لن يتحقق الآ في اليوم الذي تصبح فيه النوبة أحرارا يديرون شئونهم بانفسهم من اعلى الهرم حتى اسفله

ان المرحلة الانتقالية التي وردت في اتفاقية السلام السودانية، جيدة لكن الرجعية الشمالية ستسعى لتنفيذ بعض البرامج في جبالنا الحبيبة لتجميل صورتها البشعة،لفترة تكفي ليكون قد تم في الوقت نفسه تغيير الوسط النوبي المتردد لصالحه وزيادة عدد)البدون والرحالةالموالين لها في المنطقة لخوض الانتخابات المزمع اجراؤها في المرحلة الانتقالية وحسمها لصالحها،انهم يدعوننا الى التعاون معهم من أجل شعبينا،لكن قصدهم الخفي الحقيقي هو التمكن من الحلول محلنا،وعليه فان كل ما يقدمونه ليس سوى سراب واسع النطاق يضلل شعبا باسره بتواطؤ البعض من ابناء النوبة -

ان بقاء منطقة جبال النوبة في اطار الشمال المشكوك في ممارساته وتصرفاته يجب ان يكون بناءا على اتفاقية دولية بموجبها يمنح لها حكما فدراليا على غرار ألمانيا،الولايات المتحدة الامريكية،نيجيريا،وليس تلك الفدرالية المزيفة المغشوشة التي يتم تطبيقها في السودان الان،انها تشويش وتمسيخ وتزوير لمضمون الفدرالية والفدرالية هي ---------------

- مجلس تشريعي للولاية مستقل استقلالا تاما

- مجلس تنفيذي للولاية يتقدمه حاكم الولاية يتم انتخابه من مواطني الولاية

- مجلس للقضاء مستقل تماما

ان النوايا السيئة للشماليين تجاه جبال النوبة علمت النوبة دروسا لايمكن نسيانها،ان يستهدف جهة ما محو ثقافة شعب ما لايمكن غفرانها وتمريرها،انها جريمة بشعة شنيعة

اننا نتوقع وصول عشرات من الدجالين الذين يجرجرون ذقونهم حتى القدمين الى الجبال فور دخول اتفاقية السلام حيز التنفيذ لاستغلال الاسلام كأنسب وسيلة لاقناع واستدراج شعبنا ليقولوا لنا بان هناك ارضية مشتركة بين الجبال والشمال وعليه فان على النوبة وضع عامل الاسلام في الاعتبار عند مناقشتهم اي ترتيبات انية او مستقبلية بشان الجبال

انهم يريدون ان يقولوا لنا بصريح العبارة طالما اغلبية الجبال مسلمة فعلينا ان نختار الوحدة مع الشمال او العيش معهم ونسكت حتى في حالات الظلم الفاضح،انهم يريدون تعليمنا ابسط التعاليم الاسلامية التي عرفناها بالفطرة بطريقة مغايرة شاذة مغلوطة معكوسة للعدل والمساواة والحرية،لماذا لايتركوننا وشأننا نقرر مصيرنا بإردتنا بعيدا عن هؤلاء المنافقون الدجالون المشاكسون،كيف نعيش مع بشر لم يعرفوا بعد مفهوم العدالة والمساواة والتعددية والتعايش السلمي،ولم يستوعبوا معاني حقوق الانسان والحقوق المدنية والاجتماعية

ان نصف قرن من الوحدة الاختيارية بين شعوب السودان علمتها دروسا في غاية الاهمية وهي ان عدد كبير من هذه الشعوب فقدت هويتها واستقلاليتها لصالح الهيمنة العربية  واحادية ثقافتها التي عمت السودان بفضل مهارتهم وحذاقتهم في التزييف والتزوير،وقد حان الوقت لهذه الشعوب ان تعيد هويتها واستقلالها، والاسلام لم يقف يوما ما حجر عثرة امام حرية الشعوب واستقلالها ورفاهيتها وسعادتها

ان ثقافتنا النوبية لاتنطلق من حيث لاندري،انها ليست ابتكار نوبة متوهمين يعيشون في اوربا وامريكا هذا عبث صرف،انها تطور طبيعي لحصيلة معارفنا التي توصلنا اليها من خلال تجاربنا ونضالنا وكفاحنا عبر سنين واجيال

ورغم ان جمودا ما قد اصاب تاريخنا النضالي في فترة من الفترات الآ ان شعبنا سيظل في مقدمة الشعوب الحرة التي رفضت الذل والهوان والخضوع لسيطرة الأخرين،سيتاح لنا امكانية الازدهار واثبات قدراتنا في مختلف مجالات الابداع والابتكار،وفرض احترامنا والقضاء على كل اشكال الرعاية الأبوية وطئ صفحة من أسوأ صفحات الهيمنة الثقافية في تاريخ الشعوب، والاسهام في تقدم الشعوب السودانية باتاحة الفرصة للتاخي بينها،خاصة ان كل المؤشرات والدلائل تشير الى ململة كل هذه الشعوب جميعا من احادية الثقافة مما يعني انها تتجه نحو الاستقلال والانفكاك من القهر والسيطرة العربية وتعريتها واقتلاعها

يتعين ان نعيد الى الاذهان ضرورة ان يعرف اي شعب تاريخه ويحافظ على ثقافته،وان تنطلق من الفكرة البديهية،وهي ان لكل شعب تاريخا،فمما لاغنى عنه لشعبنا  لكي يوجه تطوره ان يكون على دراية باصوله ايا كانت،والتصدي لمنظري العروبة  والادلة الواهية التي يسوقونها والتي لاتصمد امام ابسط التحليلات الموضوعية

ان الاهتمام بالقضايا الثقافية ليس الآ من اجل اكساب نضالنا فاعليته وتحويله الى نضال من اجل الحرية والمساواة والعدل والتنمية كما

ان الاهتمام بهذه القضية هام لان الذكريات النوبية التي انشأت حضارتنا في طريقها الى الاندثار نتيجة لنسيان التقاليد القديمة التي تم اختفاؤها بفعل الضغط العربي و دفنت تحت الاطلال او تلاشت شيئا فشيئا على مدى سنوات الغزوة الثقافي العربي

اردنا بهذا المقال توضيح بعض الحقائق فقط وليس لدينا نية عنصرية،فالعنصريون الواعون او غير الواعون هم الذين يجبروننا على دحض كتاباتهم باستخدام نفس الوسيلة التي يستخدمونها،اما النوبة المقصودون هنا فهم معرفون يجب ان يعلموا ان جميع البشر سواسية عند الله سبحانه وتعالى فلا داعي للخجل من لغاتهم وثقافتهم، ومثلا خلق الزنوج الامريكان ثقافة من العدم وفرضوا احترام الرجل الابيض لها --والسلام

 

[email protected]