اتفاقية السلام في نيفاشا ليست خصماً علي قضية دارفور

 

أحاول في هذا المقال الإجابة عن تساؤل له أهميته القصوى هذه الأيام وهو هل ستكون اتفاقية السلام  بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان التي ستدخل حيز التنفيذ بعد أيام قلائل خصماً علي قضية دارفور ؟ الإجابة قطعاً بالنفي انطلاقاً من فلسفة ورؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان الاستراتيجية الرامية إلي تحقيق السودان الجديد وذلك بإقامة دولة المواطنة لكل السودانيين بصرف النظر عن الدين والعرق وجميع أشكال التمييز الأخرى.

سوف أناقش تلك الفرضية وفق الأبعاد والمحاور التالية :-

1- علاقة الحركة الشعبية بدارفور 2- الالتزام الأخلاقي تجاه القضية 3- مساهمة دارفور في تحقيق وبناء السودان الجديد 4- أثر اتفاقية السلام علي مجمل أوضاع دارفور 5- خلاصة

علاقة الحركة الشعبية بدارفور:-

دارفور من أقاليم السودان العريقة فمساحتها (510888) كيلو متر مربع أي ما يعادل خمس مساحة السودان ، وعدد سكانها حوالي 6.7 مليون نسمة " 160 قبيلة" ويحدها من الجنوب بحر اللول (بحر العرب) وشمال غرب بحر الغزال. من هنا تأتي أهميتها بالنسبة لجنوب السودان كإقليم مجاور جغرافيا فضلا عن التداخل القبلي والتمازج وتبادل المصالح الاقتصادية. كل هذه المعطيات عززت فكرة الحركة الشعبية لتحرير السودان وهي تسعى لإقامة السودان الجديد الذي تدعو له وتبشر به في جميع أرجاء السودان المختلفة فمن باب أولى أن تعطي خصوصية لدار فور بناءاً علي ذلك. إدراكاً لتلك المعاني واستنطاقاً لها ، قبلت قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان التعامل مع  الشهيد المهندس يحي داؤود بولاد عليه رحمة الله حين جاء طالباً العون والمدد بتحرير دارفور ، وأود هنا الإشارة إلي أن الحركة الشعبية لتحرير السودان وهبت 30ضابطاً من خيرة أبنائها ،فضلاً عن الجنود  فالتحية إلي أرواحهم الطاهرة من أجل سودان حر ديمقراطي تسوده قيم العدل والمساواة والتقدم. هذا الفعل الثوري هو إضافة حقيقية لما سبقه من نضالات لأبناء دارفور ورابط حقيقي للأحداث الراهنة كمحفز ورصيد نضالي يفخر به الجميع وعلامة فارقة في تاريخ الحركة الوطنية السودانية تجسيدا للصراع بين الحق والباطل.وكان بمثابة إنذار مبكر لنظام الإنقاذ بأن الأوضاع في السودان عموما ودارفور خصوصا سوف تتفجر إذا لم يتم معالجتها بالحكمة والنوايا الصادقة بدلاً من المسكنات والمهدئات التي أدمن عليها للأسف ساسة النظام في الخرطوم. أما الحركة الشعبية لتحرير السودان التي قامت بالواجب لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبل بضرب أهل دارفور وبالأمس القريب صرح قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان بأنه مستعد أن ينزل عشرة آلاف جندي من قوات الحركة الشعبية إلي دارفور تحت إمرة الاتحاد الإفريقي بهدف المساهمة الايجابية لحلحلة الأمور في دارفور. وعزز ذلك من خلال تصريحاته في أول زيارة له إلي دولة إرتريا الشقيقة بعد التوقيع النهائي علي اتفاقية السلام في نيفاشا حيث قال بالحرف(لن نرفع السلاح ضد مقاتلي دارفور والشرق) صدقت يا ضمير المهمشين. وهذا ينسجم تماماً مع ما ورد في اللقاء الذي تم بيننا وكوكبة من قيادات العمل السياسي في حركة العدل والمساواة يوم 4/1/2005م بالفندق الكبير بمدينة طرابلس العامرة بأن " المظلوم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول إلي ظالم".

الالتزام الأخلاقي تجاه القضية:-

هناك إلتزام أخلاقي للحركة الشعبية لتحرير السودان تجاه القضية في دارفور باعتبار أن النضال الذي تقوده الحركات المسلحة هو أولا وقبل كل شيء حق مشروع لأبناء دارفور في أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم. ومن جهة أخرى ترى الحركة الشعبية بأن قضيتهم عادلة وهي تعمل من جانبها وبكل طاقتها التوصل إلي سلام في دارفور بأسرع ما يمكن . فالحركة الشعبية لتحرير السودان تدرك بحق وحقيقة معنى الحرب والمعاناة وكما أشار كثيرون لو تسنى للكمرات إلتقاط الصور من تلك المأساة لعرف الجميع كم أنها فظيعة ومريعة وقاسية. وأدبيا وأخلاقيا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسكت أزيز الطائرات وصوت الرصاص في جزء من الوطن ويستمر في جزءٍ آخر منه. فاليعلم الجميع بأن الحركة الشعبية لتحرير السودان سوف لن تدخر جهداً في التوصل إلي حل عادل لقضية دارفور مع الأطراف المعنية.

 مساهمة دارفور في تحقيق وبناء السودان الجديد:-

ما هو منتظر من دارفور بعد التوصل إلي سلام في ربوعها  الطيبة كثير جداً. خاصة دورها في بناء وتحقيق السودان الجديد وتطبيقه علي أرض الواقع. فكل الشواهد تدل علي أن أبناء هذا الجزء الحبيب من الوطن قد حزموا أمرهم واتخذوا قرارهم برفض الوقوف علي قارعة الطريق مرتدين ( جلاليب ) التهميش ذات الروائح النتنة ، وقالوا بصوت واحد نحن مع الحق والعدالة والمساواة وأنه ليس (لجلابي أو بحاري) فضل علي (جنوبي أوغرباوي) إلا بالعمل والإخلاص لهذا الوطن . إن الحركات المسلحة في دارفور ومن خلال أطروحتها السياسية المتقدمة هي خطوة إلي الأمام لتخليق الوعي القومي وتطويره في ذات الوقت. وهي صفعة في خد التنظيمات السياسية التقليدية وعلي رأسها حزب الأمة الذي لم يقم بدوره المأمول من خلال برامج محددة تتصدي لعملية التخلف والأمية وذلك بإحداث تنمية مادية وبشرية في المنطقة بحكم أنها تدين له بالولاء الفطري منذ زمن بعيد. هذا الواقع كان لابد أن يخلق آلياته بنفسه تستجيب لطموحات الأجيال الجديدة التي أخذت قسطاً من التعليم لا بأس به تتمثل في المشاركة الفاعلية في العملية السياسية الجارية في السودان ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبل أو ترضي بالفتات والتهميش والإقصاء أو تعطي شيك علي بياض لأحد  بتمثيلها والدفاع عن حقوقها أي كان صدق نواياه دعك من عدمها. هذا الواقع الجديد هو الذي يؤهل دارفور كي تلعب دورها المشرف في تنزيل السودان الجديد إلي أرض الواقع في ظل تحالفات جديدة  مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وقوى سياسية أخرى تتناغم مع الورقة العلمية القيمة للأستاذ  المخضرم / أبو بكر القاضي " تحالف المهمشين ...الطريق لسودان جديد" ( فلوتو 27- 29 أغسطس 2004).

أثر اتفاقية السلام علي مجمل أوضاع دارفور :-

بات مشروعاً الآن السؤال عن أثر اتفاقية السلام علي مجمل الأوضاع في دارفور. أعتقد أن الأثر سوف يكون ايجابيا وهذا الاستنتاج ليس وهماً ولكنه وفق تحليل موضوعي لمجريات الأحداث والأمور وانعكاساتها علي السياسية السودانية برمتها. فمن الناحية البديهية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسكت البندقية في جنوب السودان والمناطق الثلاث وتستمر في نفس الوقت في دارفور أو يسمح لها بالاستمرار سوءا أكان ذلك من الحكومة السودانية نفسها أو المجتمع الدولي الذي رمى بثقله للتوصل إلي ما تم التوصل إليه في نيفاشا. فما أتصوره هو استعمال اتفاقية السلام كأداة ضغط كبيرة من قبل المجتمع الدولي والأطراف الفاعلة فيه ، باعتبارها أطراف وقعت كشاهدة عليها لصالح إنهاء المشكل الدائر في دارفور . وأن ممارسة الضغط لن تكون علي طرف واحد فقط هو الحكومة السودانية كما يتصور الكثيرون ولكنها تشمل أيضاً الحركات المسلحة في دارفور. ثمرة ذلكم الضغط ستكون بلا شك وضع حد للحرب التي تدور رحاها الآن  في الإقليم وذلك بتوقيع سلام بين الطرفين علي غرار اتفاقية السلام في نيفاشا ، مما يفتح الباب لسلام عادل وشامل في ربوع البلاد بأكملها.

خلاصة:-

أخلص إلي أن اتفاقية السلام كما ذكرت في بداية هذا المقال لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون خصماً علي قضية دارفور أو إلحاق الضرر والأذى بها. وأن الحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة وقاعدة تعي هذه المسألة جيداً ، ولا يمكن لأحد التنكر لدارفور أو يسعى للتنكيل بها ، بل كل الحادبين علي مصلحتها سوف لن يدخروا جهداً لوضع حد لمأساتها الإنسانية والسياسية. ويمكن إجمال ما ذهبت إليه في الآتي:-

1-  علاقة الحركة الشعبية بدارفور ليست طارئة ولكنها أصيلة سواءا بقي السودان وطناً واحداً لجميع أبناءه أو تقسم إلي دويلات لا سمح الله ولكن الثابت في الموضوع والجديد هذه المرة أن إرادة أهله الطوعية هي التي سوف تقرر ذلك.

2-  لن تكتل الفرحة إلا بالتوصل إلي اتفاق سلام مماثل في دارفور وكافة مناطق السودان التي تشهد توترات مماثلة.

3-   ما تحقق في نيفاشا هو خطوة إلي الأمام لتحقيق السودان الجديد أمل كل المقهورين في السودان القديم.

4-  لاتفاقية السلام أثر ايجابي علي مجمل الأوضاع في دارفور وسوف تساعد في وضع نهاية سعيدة قريباً لها بإذن الله رغم التحفظات التي يبديها البعض ، وأن المجتمع الدولي سوف يستخدمها في الضغط علي جميع الأطراف ( العصا والجزرة) عبر مجلس الأمن الأداة التنفيذية للأمم المتحدة.

5-  نأمل أن يتفهم الجميع ذلك ويتعاملوا معه بايجابية وشفافية حتى نضع حد لمعاناة أهلنا في دارفور وينطلق السودان كي يأخذ مكانه المأمول بين دول العالم المتقدمة والتي يعيش أهلها بأمن وسلام ويتنافسون علي كسب رهانات المستقبل .

معاً من أجل سودان جديد

بدر الدين أبو القاسم محمد

[email protected]