يبدو ان الآراء التي انتقدت بشدة عدم جدوى تعدد المنابر للتفاوض حول ازمة الحكم
في السودان كانت صائبة، حتى لو توصلت تلك المفاوضات الى اتفاقات ثنائية فانها في
نهاية المطاف ستصطدم بعقبات لا سبيل لتجاوزها وصولا الى الاتفاق الجماعي الذي هو
الهدف المرتجى. وان الاصل في اصرار الحكومة على تعدد المنابر القصد منه كسب الوقت
والدوران في حلقة مفرغة لاستمرار الحكم لاطول فترة ممكنة تحت هيمنة من هم في
سدته، وان المشاركة في مفهومهم لا تعني اكثر من التبعية أو الانخراط في صفهم.ولعل مفاوضات القاهرة بين التجمع والحكومة قد كشفت هذه الحقيقة بجلاء بالرغم مما قيل عن انها حسمت ما يعادل سبعين في المائة من القضايا التي كانت مدار البحث لكن الثلاثين الاخرى هي الاهم وهي التي تمثل عصب السلطة وتحويل مؤسسات الدولة الى مؤسسات قومية. ومع ذلك فإن الفكرة في تعليق المفاوضات واستئنافها هي جزء من السيناريو في حلقة الدوران في كسب الوقت رغم الظروف الحرجة التي يمر بها السودان، وكان ينتظر ان ينجز ما يبعث على الامل في ان هناك حدية ونجاحاً على الاقل في واحدة من دوائر التفاوض الثلاث!
ولا شك ان من ابرز عيوب تعدد المنابر هو النظرة الى القضايا الكلية للسودان بصورة جزئية ما يعني ان نيفاشا تمثل الجنوب، وابوجا تخص دارفور، والقاهرة تمثل الشمال بعد ان حاول ممثلو الشرق الابتعاد عنها راغبين في منبر للشرق ايضا! وفوق ذلك فإن هذا التعدد وان قصدت منه الحكومة محاولة الاستفراد بكل طرف بوهم ان تظل يدها العليا على الجميع، فإنه قطعا يرمز الى تشجيع الجهوية والقبلية وكل ما من شأنه يقود الى تقسيم السودان الى دويلات وساعتها لن تكون يد الحكومة ممدودة الى ما هو ابعد من الخرطوم!
كذلك من الصعوبة بمكان ان تفضي هذه المفاوضات المتعددة في النهاية الى اجماع عبر مؤتمر دستوري شامل لكل الاطراف لأن المساس بأية جزئية من اتفاق ما سيجعل الطرف المعني به متحزبا له وغير قابل لتقديم اية تنازلات لمصلحة الوطن مقابل الجهة!
وقبل الخوض في مجمل الاضرار المتعلقة بهذه الاتفاقات الثنائية يمكن التلميح الى كثير من الارهاصات التي ولدت شكوكا بين الاطراف المختلفة. فعندما تم الاتفاق على بروتوكولات السلام بين الحكومة وحركة قرنق في نيفاشا اعتبرت شرائح عديدة من المعارضة ـ شمالية وجنوبية ـ ان الاتفاق سيقود الى شراكة بين الحكومة والحركة لأنهما استأثرا بحل السلطة فضلا عن ان الاتفاق نفسه عليه الكثير من المآخذ. والآن تحت سقف مفاوضات ابوجا ردد مقاتلو دارفور شكوكا عما اسموه بوجود طبخة بين زعيم المعارضة والحكومة في مفاوضات القاهرة وان هناك شيئا يدور خلف الابواب على حد تعبير الامين العام لحركة تحرير السودان.
إذاً فإن تعدد المنابر هو بحد ذاته يثير الشكوك مما يوفر ارضية صالحة لرفض كل منبر في النهاية لما يصل اليه رصيفه من المنابر الاخرى، من هنا فإن فكرة تعدد المنابر في اساسها ليست مريبة فحسب وانما ضارة وها هو ضررها يستبق حتى النتائج التي يمكن ان تتوصل اليها!
اما اذا حاولنا ان نستعرض جانبا من الانتقادات الجوهرية لبروتوكولات سلام الجنوب فإن اقوى هذه الانتقادات جاءت على لسان الصادق المهدي زعيم حزب الامة المعارض وتتلخص في «الاسلحة والجيش». وبالنسبة للأولى يقول: «ان الاتفاق على اسلامية الشمال وعلمانية الجنوب، قد ترك التعريف لمفهوم اسلامية الشمال لبرنامج الجبهة القومية الاسلامية وهذا غير مقبول لأن الجبهة لا تمثل الشمال واذا اعطى الاتفاق المسلمين حقا في الشمال فهذا مفهوم ولكن ان تحتكر الجبهة هذا الحق فهو ظلم لغير الممثلين في التفاوض». وعن الجيش يقول المهدي: «انهم محقون في الابقاء على جيشين في الفترة الانتقالية حتى تقرير المصير، ولكن ان يقوم جيشان مسلحان عقيدة احدهما جهادية برؤية حزبية، وعقيدة الآخر مناهضة لها، فهذا التكوين خطر على الامن القومي السوداني ولن يؤدي الى سلام أو أمن لانه يعني التنازل عن وجود جيش قومي للسودان، ولا توجد دولة تحترم نفسها وليس لديها جيش قومي. وما لم يقله المهدي دائما قالته قوى التجمع المعارض، ففندت مرجعيات اقتسام السلطة.
لا شك ان هذه الامثلة التي سقناها بحسبانها موضع رفض لما نصت عليه بروتوكولات اتفاق سلام الجنوب، لا بد ان تؤخذ في الاعتبار في المناقشات الجامعة وان تعدل وتبدل الى ما هو منطقي وعادل ومقبول من الاطراف الاخرى، لكن كل الدلائل التي ظهرت حتى الآن تشير الى غير ذلك تماما. فبالنسبة للحكومة زعم وفدها في مفاوضات القاهرة حول قسمة السلطة ان هذا اتفاق ابرم بين الحكومة والحركة الشعبية ولا مجال لتعديله او تبديله مشيرا الى ان قوى التجمع سبق ان اعلنت قبولها بتلك البروتوكولات واعتبارها مرجعية يستند اليها! ومثل هذه الحجج لا يسندها منطق لأن نسبة السلطة التي حاولت الحكومة احتكارها لنفسها إنْ تخلت عما هو ليس حقها فلن يؤثر على جوهر الاتفاق في شيء، لأنه لا ينتقص شيئا من انصبة الجنوبيين، لكنه نهم السلطة ولا شيء غيره! ويخشى ان تكون ذات الاجابة هي اجابة جون قرنق عندما يعقد هو الآخر مفاوضات مع القوى الجنوبية الاخرى وتستكثر عليه نسبة الـ 28% مقابل 6% فقط لها، فهو الآخر ليس بوسعه ان يزعم انه لو تقاسم السلطة مناصفة مع الشرائح الجنوبية الأخرى ان في ذلك اخلالا باتفاق السلام بين الجنوب والشمال، بل العكس، فإن ذلك سيكون تقوية لوحدة الجنوبيين وتدعيما للاتفاق، ومن غير المنطقي ان تقول الحكومة او اية جهة أخرى ان توسيع مشاركة الآخرين لك في السلطة تنال من الاتفاق بما لا تحمد عقباه وانما ستشكره على توسيع مواعيد السلطة بما حققه التمثيل المطلوب.
ولعل من المفارقات البارزة بالنسبة للحكومة والحركة معا حول قسمة السلطة، ان الحركة معضدة لفكرة ان تتنازل الحكومة عن قدر من حصة السلطة للقوى الشمالية الاخرى من موقع تحالفاتها مع غالب هذه القوى، وان الحكومة هي الأخرى حريصة على ان تتنازل الحركة عن قدر من السلطة للقوى الجنوبية الاخرى لأن هذا النصيب سيذهب جزء منه لشرائح موالية لها.
وهكذا بقهر الظروف يجد الطرفان نفسيهما امام نهم ساقهما الى قسمة غير عادلة وهناك ضرورة ملحة الى وجوب استقامة ميزان العدل!