جدران من الطوق الشمالي أخر ثورة الغرابة
عبد المنعم سليمان
[email protected]
نشرنا في الجزء الأول الشرطان الأساسيان اللذان ساهما في تأخير ثورة الغرابة وهما:-
الشرط الأول : دخول حملات الاستعمار الأجنبي من الشمال وما يحمل من أسبقية التعليم
والمعرفة المتحضرة لإنسان.
الشرط الثاني : ارتباط الشمال باللغة والثقافة العربيتين وارتباط الأخيرين بدورهما
بالدين الإسلامي .
الجزء الثالث
نقاط مظلمة
الغاربة أكثر عددا ولكن غثاء السيل
1- ليس بمقدور الشمال الجلابي مواصلة سيطرته على مقدرات الدولة استنادا على الشرط
الأول. فتلك القرى الشاحبة على ضفاف الوادي و المرصوصة بين الخرطوم شمالا ، بدا
بالفكي هاشم انتهاء بقرية وادي حلفا والبالغ تعددها(286 ) قرية ومدينة ليس بمقدرها
منافسة (3800 ) قرية ومدينة في دارفور. كما أن عدد سكان قرى شمالي الخرطوم البالغين
تعدادهم في أحسن الأحوال مليوني نسمة ليس بمقدورهم الانفراد مجددا بدولة يقدر
سكانها ب ( 40) إذ أن أول من ينافسهم غرمائهم الغرابة ذات الغالبية الميكانيكة في
التركيبة السكانية بالسودان يبلغ تعدادهم في اسؤ الأحوال (12) مليون نسمة .
مع تقدير ضعف نسبة التعليم وسط الغرابة إلا أن تقدير كم المتعلمين منهم
فقط يفوق تعداد الجلابة جهلاءهم ومتعلميهم.
الحزام الأسود حول مدينة الخرطوم والتي تبدو للناظر من نافذة الطائرة القادمة من
جوهانسبوغ حاضرة جنوب إفريقيا أشبه ما تكون بمساكن الصفيح بأطراف جوهان قبل
التسعينيات مقدمة زحف الغرابة الاجتماعية نحو البحر من جديد بعد تهجير فرضها
الاستعمار وحلفائهم الجلابة بعد مذبحة كرر. يبلغ تعداد الغرابة (3 ملايين ونصف ) من
جملة تعداد سكان الخرطوم البالغين ( 6 مليون ) وإخواننا أهل الجنوب وغيرهم. يعكسها
القصور العالية في الوسط بالإحياء السكنية في الرياض ومنشية الترابي والعمارات وجدة
و مدينة النيل . وهذه
تكون مركز الشماليين بالتضامن مع المستوطنين الحلب يكونون الطبقة
الارستقراطية فاحشة الثراء في البلاد .
الأحياء السكنية جنوبي الخرطوم وحول الخرطوم بحري كالحاج يوسف ، وحول امدرمان
كدارالسلام وأم بدة تكون حلقة الحزام الأسود -كما ذكره الإستراتيجيون الجلابة -
فقرهم الذي يعيشونه أمكن استغلالها لمواصلة عمليات الاستشمال الواسعة التي يجري
بوسط اؤلاءك
البؤساء. ونزعتهم الغرباوية الساذجة جعلهم يعبدون الشمال و يحمدونه وله يسجدون بعدم
تنظيمهم المستقل استمر تعرضهم للاستغلال الاستشمالي في المقدرات .
لم تكن التظاهرة الثورية في دارفور تتجاهل احد مظلوم ومقصي في السودان وهي تستهدف
في العمق تعديل مجتمعهم المختل في الخرطوم نفسه ، إذ نسبة البطالة العالية بين
الشباب ، وتزايد نسبة الجهل بانعدام مؤسسات التعليم جعل من النظام يستغلهم في
تجنيدهم اكبر قدر ممكن منهم البرنامج العسكري الجلابي (مليشيا )
الجنجويد التي تحارب الآن من اجل تهشيم ما يمكن تهشيمه من القرى المهمشة في بلادهم
التي هاجروا عنها في دارفور.
استدراك تلك النقاط المظلمة من الغرابة الفقراء في دار صباح يعجل بالثورة إلى نصر
مؤزر.
الجنجويد يخلفون الجنقجورو في الاستغلال
أثبتت قوة الجنقجورو أو عمال المشاريع الزراعية من الغرابة بكل كفاءة طول عمر
التاريخ الزراعي لدولة السودانية أنها ليست اقل كفاءة عن أي آلة زراعية صنعت
في ألمانيا أو الولايات المتحدة . وقامت آلة (الجنقوجورو) بتنفيذ
البرنامج الزراعي في الفكر الاقتصادي الجلابي بكفاءة نادرة . من إزالة
غابات مشروع (الجزيرة ) في بلاد ما بين النهرين استنادا على خرافة أبي صديق بن
المهدوي الدجال ، إلى زراعة وحصاد مادة صناعة الأزياء بمصانع يروركشيرك في انكلترا
في مشروعي الجزيرة والمناقل إلى وزراعة وري وحصاد قصب السكر في كنانة
وحلفا الصغيرة والمشاريع المطرية في القضارف الحدودية مع الحبشة .
لم يعلق بصدورهم أوسمة تلك المشاريع وعندما انتهت الحاجة إليهم لم يحالوا إلى
ورش للإصلاح، فق، تم إيداعهم في معسكرات دائمة للاجئين (كمبوهات) (باتستونت)
حيث آوتهم بيوت هزيلة من اللبن والأعشاش بنوها بأيديهم في قرى فقيرة منتشرة حول (
مدن : المناقل
، ود مدني ، الحصاحيصا ، كنانة ، جزيرة ابا ، القضارف ، سنار، حلفا الصغيرة)
في أراضي يدفعون أجرتها في السكن والزراعة ويواصلون ازلال أنفسهم لكسب القوت باجر
زهيد في علاقة زراعية غير متكافئة بينهم وملاك الأراضي .
أصبح برنامج قوة عمال المشاريع ( الجنقجورو ) فيما تبقى من حياتهم كيف يرفعون
عن جلدهم التمييز العنصري في الخدمات الرخيصة من الحكومات والوطنيين الاستعلائيين .
وفي مساء كل يوم يتجمع الجيل الضائع المحروم ذهابه المدرسة حول العجائز الذين يرون
قصص قديمة واحاجي محفوظة عن موطنهم في الغرب ، وينشدون أغاني حزينة مستحضرة من
الماضي . ويختمنها بدمع لهذا العذاب. ذلك حياة أكثر من ثلاثة ملايين نصف من الغرابة
في بلاد ما بين النهرين والقضارف وحلفاء.
بعد نهاية صلاحية الجنجورو الغرابة أنتجت العقلية الامبريالية الشمالي قوة جديدة من
الغرابة بغرض تنفيذ البرنامج العسكري في الفكر السياسي الشمالي ذلك هو سبب
خلق مليشيا الجنجويد في غرب السودان وان ثبت الكثير منهم من خارج الدولة لكن
الجنجويد خلفاء
الجنقجورو ، وكليهما قوة غرباوي أنتجت لتنفيذ برنامج محدد في الفكر
الاستعماري لدى الجلابة . كما كانت (الجنقو) قوة اقتصادية في الإنتاج وساهمت في
تمليك الجلابة أسباب الثروة وعناصر الإنتاج فان (الجنجويد) قوة غرباوي أخرى تستغل
للدفاع عن بقايا الهتر
السياسي للجلابة في شكل نظام الإنقاذ.
البدو الغرابة الذين يشكلون جزء مقدر من القوة العسكرية في البرنامج الجلابي اليوم
الجنجويد تم اكتشافهم صدفة لأول مرة في خريف 1992 م وفي أعقاب مقتل ثورة
الشهيد الريفي بولاد. وكانوا رحالة يضربون خيامهم بسهول وأودية تقع غرب وشمال جبال
مرة وكانوا خارج علم وإحصائيات الدولة الرسمية ثروة وسكانا. وفكرت العقلية
الاستعمارية في استغلالهم وإلحاقهم بالتبعية نظير الاعتراف بهم جزء من رعايا الدولة
التي يحكمها الجلابة ، وقامت الأعراب البدوية الجاهلة بالتعاون مع الجلابة وفق شروط
التبعية.صنعوا بتنفيذهم شروط
التبيعة نقطة مظلمة في الجسم الغربي يظل يعاني منها الغرابة ويستثمرها الجلابة ،
وسيؤدي إلى فناء اؤلائك الأعراب البدو من تلك العقلية الشمالية نفسها..
لا تزال طائفة من مرضى النفوس و الانتهازيين في أي امة من الأمم وفي أي دعوة من
الدعوات وأي عهد من العهود على النفاق ظاهرين وعلى الكذب مجيدين فاؤلائك هم في سبيل
كروشهم وشخوصهم وفي لعنة التاريخ إلى قيام الساعة .، كل الغرابة المساندين بأقلامهم
وكلماتهم وأفعالهم للعقلية الشمالية في النظام الحالي والحادبين على مصلحة الجلابة
على حساب أهلهم الغرابة يدخلون في ذلك الوصف ويشكون جزء تبعي في كتب التاريخ لا
يهدون ولا يهتدون سبيلا.
علاقات الجنس والزوج تدخل حلبة الصراع
العلاقات الإنسانية العادية والزواج منها يشكل ركن في الحياة الاجتماعية،
ويقع الزواج بين الرجل والمرأة في كل الأحايين على حب وقناعة وثقة بين
الطرفين باستثناء زيجات غريبة بين الغرابة . والرجل الذي يحب امرأة من أي اتجاهات
الدنيا ثقافاتها لا يعرف كيف
يكره. والمرأة التي تكون قادرة على حب رجل من أي بيئة ثقافية أو جغرافية مغايرة لها
تستحق التقدير والإجلال ، والأمة التي تنجب امرأة تملئ فؤاد الرجل الذي
يختارها رفيقة دربه للأفق البعيد هي امة جديرة بالتقدير.
نعم الزوجة الصالحة هي تلك التي تعين زوجها على عنت الحياة. وتقف صادقة إلى جانبه
في الملامات والكرب, وتستعد للقتال مخلصة دونه ودون إنتاجهما وقدرهما المشترك.
والرجل منوط بذات الدور تجاهها.
تظل رباط الزواج مقدس أفضل من غيره من بقية العلاقات الإنسانية الأخرى في
المملكة البشرية: التعارف و الزمالة والصداقة والمصاحبة في وسط الجنسين .
وتظل بعيدة عن التأثير بتباين الخلفيات الفكرية والثقافية والانتماءات الجغرافية
والسحنات.
العلاقات الإنسانية بين الغرابة والجلابة من هذه الناحية عاشت مميزة ، والزيجات
منها ظلت فريدة ، لكنها لم تبتعد عن العلاقات غير الاجتماعية في مجتمع السودان ،
السياسة والاقتصاد والثقافة . وتلك عناصر أساسية في حلقة العلاقات في دنيا البشرية.
فالمرأة الشمالية بما ميزها الله من شبق جنسي وجدت إرواء ظمأها في جسد القرويي من
أبناء الغرابة المميزين في تلك الناحية. فهي تبادر تتصل إشباعا لرغباتها الطبيعية
بحلاله وحرامه من صنف غير موجود في بيئتها المصابة بالهزال والعنة لدى الرجال
موطنها .
وشبق نساء الشمال وعادة تلبية رغبات الجسد في ذاك المجتمع صار
عبادة منذ سنوات سُنة الإباحية التي عاشها مجتمع قبائل الشمال النيليين خاصة
العربان منهم في أعقاب إبادة جماعية طالت جنس الرجال في حملات الدفتردار بك التركي
الانتقامية بعد جريمة ارتكبها احد
ملكهم وفر هاربا.
نضطر نستحضر مرة أخرى خيال الروائي الطيب صالح في رسم تلك الحالات البهيمة في رواية
موسم الهجرة إلى الشمال ورواياته الأخرى ، ويستمع القراء صوت أنين السيدات
تحت وطأة (ود الريس الكهل ) ، ويرون في صورة الفتى (سعيد) بطل الرواية الذي
حمل عضوه التناسلي غازيا بلاد (الانكلتار) انتقاما لسنوات تجارة النساء الرابحة
بين قومه والغزاة .
وفي الغاشية الجنسية التي نظمها يونس الدكيم ورفاق من صنفه في حملات تأديب
المتمة وشندي في نهايات عهد الخليفة تورشين اكتشفت المرأة الشمالية مذاق فحولية
الغرابي الفريدة . فهي لا تزال تعدو خلفه وتتغزل به مجاهرة بدواخلها في أشعارها
وأغانيها ، هويسر قلبها على الدوام (الغرابة بسروا القلب ).
ونساء الجلابة المنحدرت مع يهوذا بن الشيطان من سلالة واحدة تمكن من نفسها كل
ذكورالدنيا ما أمكنها في حياتها حتى من غير بني الإنسان ، كعادة إتيان الرجال
للدواب والحمير من القبائل المنحدرة مع الناهق خارج القطيع في خارجية الجلابة من
نسل واحد.
لتستكمل صورة البهيمية للأمة الشهوانية التي يرسمها الروائي صالح.
والغرابة بما ميزهم الله من سذاجة نادرا ما يخيبون ظن فتيات قبائل الشمال و( أبكر
اسم شائع في الغرب) صادق في حبه كصدقه في اعتقاده الديني والسياسي . وكريم في
عطاءه في كل النواحي .
و(الابكريين) لديهم من الأحاسيس المرهفة ما يجعل من اؤلاءك الفتيات لا يقفنّ
عند حدود الجنس فقط ، فهم بدورهم ينهارون أمام إغراء الشماليات من بنات
الجلابة - في الجامعات غالبا - لألونهن السامرة وتفقههن في علوم الجسد والعاطفة -
يجد (أبكر ) نفسه غير مستعد لإقامة أي علاقة إلى الوراء مع فتاة من بيئته الغرباوي
المشحونة بمفاهيهم بالعفيفة التقليدية، وفتيات جاهلات بفنون الجنس والعاطفة .
حتى بعد أن صارت الكثيرات من (الغرباويات) أفراد في عوائل قبيلة ( بني كِريم
العربية الجديدة)، وفعلت مساحيق التجميل بهن ما فعلتها اللعنات بوجه يهوذ بن
الشيطان - نائب رئيس الجلابة - من اثر غضب الله . لم يتمكن أبكر من الرجوع إليهن
مرة أخرى والكثيرين منهم بعد الجامعة.
استخدام مساحيق التجميل خطوة في الاستجلاب التي ابتلى الله بها نساء وفتيات
(غرباويات) وصرنّ في الكثير من الصفات الأخلاقية شبيهات (بالجلابيات) اللائي يفقنهن
بقدر من الجمال ، ومحاولات يائسة للتشبه بهن في الخِلقة.
قدر الحياة دوما أن تأتي السياسة لتضع العلاقات الإنسانية من تلك الناحية بين
الجنسين من (الغرابة) و(الجلابة) موضع يخرجها من طبيعتها الاجتماعية ، إلى
موضع ينحدر مياه إلى قناة التطويق والاستشمال اللااردي . وتضع ممارسة الجنس في حد
ذاته خارج إطاره الطبيعي إلى إطار سلاح حرب . وذات القدر وضع (لون) الفتاة الشمالية
من ذوات الأصول العربية وغيرها أيضا من الملونات أو (قاطف لونين ) في ركن مهم على
جدران الطوق المحكم أمام نفسية (الغرباوي) .
(الجلابة) الرجال لا يتزوجون من (الغرابة ) النساء إلا نادرا لسبب بسيط هو عدم
قناعة (الغرباوية) برجل من قبائل الشمال الجلابة فيما يتعلق بالعلاقات الجسدية (
العتب الجنسي) ، ولذالك الجانب اثر مهم في تكييف الحياة بين الجنسين حتى في فن
العاطفة المجهولة لدى (الغرباويات) ولذات السبب تهرول نسائهم قبالة الغرب.
ولان العنين والقاصر جنسيا كالخصي دائما ما يكون حقود على أصحاب القدرات التفحيلية
في سره . يقوم بأعمال يضر بالفحول ، ذلك معنى لما يقول فوريد. الحقد جعل ذو العين
الواحدة (صلاح قوش) مدير امن ومخابرات الجلابة وابن عم يهوذا جعله ينشئ وحدة
خاصة بالجيش وفرقة بمليشات النظام أطلق عليه (سلاح الاغتصاب) للقيام
بتنفيذ اكبر عمليات اغتصاب ممكنة وسط فتيات الغرابة من العذراوات والخاصة الراهبات
والحافظات لكتاب الله من القصر. لإشباع رغبة يعجز هو القيام بها. لنسوته ولغير
نسوته.
المندوب السامي الجلابي
صارت الجلابية بمثابة المندوبة السامي للعقلية الشمالي بمنازل الغرابة المرتبطين
بهن على سنة الله ورسوله . هي تضع له البرامج الحياتية للدقيقة والساعة واليوم
والشهر والسنة بحيث أن تستبعد من جدول زوجها الحبيب برامج كثيرة (فارغة) كمشاغيل
أهله وتخلفهم الخاصة والعامة .
ما عاد الكثير ممن يستضيفون مندوبات ساميات من (الجلابة) التي هي الزوجة
الحبيبة بالبيت مهتمين بقضايا مجتمعهم الغرباوي و الدارفورى بشكل أوضح و الملح ، في
الجيل الأول والثاني والثالث من الغرابة. أمثلة كثيرة تعج بها الساحة (احد الغاربة
الطموحين تفحل
ثلاث مندوب سامي من الجلابة). وتوشح الغرابة من تلك الطائفة تهربا بوشاح مشوه من
الحجج الواهية لقبوه (القومية) في النظر إلى القضايا الإقليمية والمحلية والخاصة
بهم . ليسوا سياسيين وهؤلاء الصنف يعتقدون أن الاهتمام بشئون والديه وعائلته وقريته
شكل من الممارسة السياسية . وصاروا (قوميين) كما يدعون و(اكادميين) . البند الأول
في أولويات الأجندة قبل أو بعد تفحيل جلابية جميلة والتي تضع الأجندة نفسها هي
القصر المنيف ، الوظيفة الثرية ، و السيارة الفارحة ، والزيارة . وكعادتهم في
تجارة (اللحم الأبيض الرخيص ) منذ عهد الأتراك والانكليز والمصريين ظل الجلابة
الرجال حاقدين ناحية و ممتنين أخرى لهذه الفحولية المجانة ولأنها آلية مصرفة ، فذاك
يصرف (القوميين الساسة ) و(الاكادميين ) من الغير سياسيين من (الغرابة) عن المزاحمة
و المضايقة في قضايا الثروة والسلطة أو المطالبة بالعدل السياسي الغائب عن المجتمع
، أو الانصراف عن الذاتية إلى التفكير العام لمصلحة الغرابة أو الدولة عامة .
وكان كلما انهمك الغراباوي في السعي وراء تلبية متطلبات ما بين فخذيه توقف
قدر من عقله عن التفكير، وعجز ما بين فكيه النطق وصب ذلك في مصلحة (الجلابة) .
كل الآراء والأفكار العامة والخاصة التي يطرحها الغرابة لمعالجة وإصلاح وضع بلادهم
وسكانهم في الغرب يكون للمندوب السامي رأي فيها ، وهي تساهم برأيها في غرفة
النوم وعلى سرير الزوجية مستندة على ثقافة تنشئتها الاجتماعية وهي بذالك تعمل و
تسعى من اجل مصلحة قومها في الشمال . والقرارات السريرية هي التي تسير الدول
والمجتمعات في الغالب . وفي السودان له أثره الساحر واكتوى الغرابة بنارها.
وسامت زوجات الغرابة المعتبرين من الشماليات كثيرا في تسيير دفة الحياة السياسية
والاجتماعية في دارفور إلى النقطة التي بلغناها ألان. وفي أحايين كثيرة صار
للمندوبية الجلابية السامية مساعدين من صلب الغرابي المنتج يؤيدون راءيها ويقفون
إلى جوارها ضد
ما يورنه هيمنة الجدة والجد من ذوي الأب. وكل أقربائه القرويين الغرابة وكذا
القضايا العامة.
فاستبعاد قضايا المجتمع والعائلة عن جدول البرامج الحياتي لدى اؤلائك الطائفة
من الغرابة المقدريين في مجتمع الغرب (قوميين وغير ساسة ) كان له انعكاس ظاهر في
سريان حركة الاستشمال الاجتماعي التطويقي ، وكان له اثر مقدر بدوره في تأخير
الجيل المهول من
خريجي الجامعات الحديثة ما بعد عصر النهضة الدارفورية في القيام بتغير مبكر
لواقعهم .
نقاط مضيئة
سلفا أعلنا أيها السيدات والسادة اننى لست من دعاة الكليل بمكيالين اى مواجهة
الظلم بالظلم في سبيل إحقاق الحق . لكن مقابلة الظلم بالعدل هو
أعلى درجات الحق . فيما يلي حزمة تصور لشكل المجتمع المعتدل الفاضل الذي ينتظره
الناس من الثورة :
1- من حسن حظ الجلابة أن لا يزال رهط معتبر من أهل غرب السودان
ومن مثقفيها يؤمنون أن الله خلق البشر أجناسا وشعوبا وقبائل وميزهم بصفات خلقية
وخلقية في الأشكال وألوان والأحجام واسكنهم قطعات جغرافية في الكرة الأرضية الواسعة
والهجهم السن متباينة. وحكمة اختصاص كل قوم أو شعب بميزة خص ومجتمع بخصوصية مميزة
وجعل غيرها لغيرها لا يعني أن تصل المميزات البشرية في
تلك التجمعات إلى درجات تفضيل بعضها على بعض. وفي ذلك عدل ومساواة
بين الخلق في الترتيب الإلهي لبنية الأشياء. لا
تخرج العلاقة بين أهل الغرب وأهل الشمال في مجتمع السودان عن تلك القاعدة .
لكل من المجتمعين خصوصيته في الأخلاق والإنسانية ، الغرب
مطالب بتقدير خصوصية الشمال وطبيعة البشر في ذلك في جو
يفرض عدم فرض خاصية جمع على آخر. أو تغير الطبيعة الإنسانية بأي
شكل.
والثورات الفاضلة منوطة بانتهاج سنن الأخلاق والإنسانية كشرطي وجوب لنجاحها ، بحيث
أن لا يعود شبه الظلم من جديد حتى على الذين
ظَلموا . يتبع وفق ذلك قاعدة ضد سيطرة الجهة والإقليم
على الكل وضد استثار قبيلة أو فئة قليلة بحق الكل، وضد انجراف الناس إلى
انفراد طائفة أو مؤسسة أو كاريزمية فرد لاعتقاد سالف. سعيا نحو دولة
ديمقراطية تؤمن بالمساواة وتحكم بالعدل دستورا وقانونا.
حالتي تقول الاتي :
إنني أحارب ضد سيطرة الشمال وسأحارب ضد سيطرة الغرب او أي جهة أخرى، إنني أؤمن
بأننا في السودان متساويين في الإنسانية والكرامة، و يجب
أن نعمل لبناء دولة ديمقراطية يكفل الحق للإنسان بحق
المواطنة ،والحياة الحرة والكريمة للجماعات وللأفراد وللكيانات. وذلك
مبدءا نحيى من اجله أو نموت في سبيله.
2- إن فكرة معاداة الأعراق والثقافات والأديان والجهات واللغات أفكار تندرج في
لائحة العنصرية، وحرب يخسرها الذي يخوضها أكثر مما ينتصر
فيها ، الثورة السودانية في غرب السودان قامت
أساسا لمعالجة قضايا اجتماعية وثقافية ذات إبعاد أخلاقية
في مجتمع
السودان في منتهى الخطورة والجدية. ولم يكن هدفها أساسا معادة أو إعلان الحرب على
جهة جغرافية أو ثقافة عرق أو لغة قوم ، ولان تلك العناصر
لا تعادى ، إذ انه جزء من طبيعة الإنسان . والطبائع لا
تغير ، لكن الحروب تشعل أصلا على تجاوز السلوك الإنساني الممارس
لتلك الطبائع ، وطالما عمل الشمال على مغايرة الطبيعة الإنسانية في مجتمع السودان
وكذالك استحق الحرب.
فالإجرام والعنصرية سمات مكدسة في العقلية الشمالية الحاكمة تفرز سلوكا واقعيا
تتمثل في الظلم والغطرسة و والإقصاء وقلة الأدب في
العلاقات الاقتصادية والثقافية والتدينة والعلاقات
الإنسانية العادية، وتلك جوانب قامت الثورة لمعالجتها .
وتأتي المعالجات في شكل تصورات مستقبلية لحياة اجتماعية فاضلة بالسودان ،
وبداية المعالجات تبدأ دوما بتشخيص دقيق و شفاف لمواطن
الداء ، وتحديد مواضع العلل بالطريقة كالتي نظل
نرهق ألان في القيام به منذ بدا السطور الأولى ، ليسهل الإسهام بإيجاد وصفة
علاجية ناجعة. وكذالك التشخيص والعلاج قدر يساهم بهما كل من يحس بأنه في حاجة إلى
الاعتدال يعمل تفكير منتظم يثمر وصفات تدعم الثورة.
3- الثورات نبؤات
لقد جاءت ثورة الشهيد بولاد على شكل نبؤه مستقبلة . وكان بولاد يحلم بأن ثمة
ثورة ستقوم وستقضي على الفوارق القاسية التي تحكم
المجتمع السوداني لعقود ، وإحلالها بقواعد وبقوانين
عادلة وفاضلة . كانت تبدو آنذاك فكرة غير مصدقة مثلما غير متفق عليها، لكن
حراك الحياة وسخرياتها وتطور الزمن تضعاننا في كل الأحيان في مواجهة أحوال
يدخل التنكر لها في باب المستحيلات.
يذكرني أصدقاء وإخوان غرابة - من الذين امنوا بالشرطين واتقوا - أن العدل والسواسية
بين البشر في مجتمع السودان شكل من الحلم . وان ثورة تعالج مثل تلك
القضايا أمر يتطلب إمكانيات هائلة وزمن هائل وتضحية
جسيمة إلا انه ليس مستحيل إذ لا خيار بديل عنها.
مرحل نشأة الثورات
ثورة الغرابة لا تزال في أول طريقها وقدرة الثورات على التحكم بالحياة بالجملة
دائما تظل دون مستوى الكمال .
الثورات ليست غاية التغير في حد ذاته لكنها الوسيلة إلى التغير وهي أداة للوصول إلى
الغايات وغالبا تمر بمراحل أربعة :
المرحلة الأولى : أحداث ضجة وإثارة جدل حول قضايا ومفاهيم راسخة في التربية والحياة
اليومية والدعوة إلي تغيرها جذريا واستبدالها بأخرى . وهي مرحلة تكذب
وتصدق فيها الثورة ويشاع التكهن لها بالسقوط أو النجاح.
المرحلة الثانية : مقدمة بروز قادة ومفكريين، يتميزون بالجرأة فعلا وقولا . والصدق
والإلهام ، أبدا ما يذهبون ضحاياها أولا، ولكن على دماءهم يستقيم ميسم
الثورات وتلتهب نارها .
المرحلة الثالثة : استقامة الميسم وهي مرحلة تتضح فيها معالم التغير المرتقب
وتستقيم نقاط تشكيل الحياة الجديدة
المرحلة الرابعة : اكتمال مسيرة القافلة وبلوغ الغاية التي ينتهي عندها مرحلة
الثورة الكلية في حد ذاتها وتبد مرحلة الدولة .
وهي حياة تتغير جذريا وجوهريا أشكال القضايا في حياة ما
قبل الثورة : المفاهيم والأفكار .
لا نزال بعد في الأطوار الأولى وليس ثمة مدة زمنية معينة يقدر لكل مرحلة أو بين
المرحلة والتي تليها ولكن المحددات تظل : الظروف
والأحوال والزمان والمكان لكل ثورة تغير فاضلة.
كما انه لا يقدر كمية الدم الذي يسيل جارفا انهار وأودية . إذ تلك سنة كونية في كل
ثورة كما أن الثورات سنة كونية وشرط أساسي للتغير.
ومن خلال استمرارها على الخط المستقيم لا تراجع ولا انحراف عن المسار أحدثت
ثورة الغرابة خرقا فاضحا في الشرط الأول وأثبتت
بما لا يدع مجالا للشك أن (الغرباوي) لن يقل
تعليما وكفاءة وقدرة قيادية عن (الجلابي ) ذلك خرقا لا يقل أهمية عن الخرق
الذي أحدثته
في الشرط الثاني.