نخشى أن تكون العروبة والأفرقنة القشة التي ستقسم ظهر السودان
مهندس/ آدم هارون خميس
16/9/2004 م
دخل علي في المكتب أحد زملاء العمل وهو من دولة تنزانيا حاملا معه صحيفة عربية تصدر باللغة الإنجليزية وأشار لي الى موضوع لأحد الكتاب العرب يصف فيه ما يجري في دارفور بأنه مخطط يهودي ونصراني لتدمير العرب وأن الأفارقة في السودان بدءا بالجنوب ودارفور يتلقون معونات من مجلس الكنائس العالمي وإسرائيل وإمريكا لضرب عرب السودان، إندهشت كثيرا لجهل هذا الكاتب رغم أنه يحمل لقب الدكتور، وعلى الفور بدأت أكتب للرد عليه ولا زال زميلي يقف بجانبي دون أن يجلس، فسألني ماذا تفعل؟ قلت له أريد أن أرد له حتى يعرف حقيقة ما يجري في دارفور ولكنه أعرض وقال لي أن الكاتب يعرف الحقيقة ولكن عقلية العرب يعتمد على محاربة كل من هو ليس عربي وأن ردي الذي سوف أكتبه لن يجعله يغير من موقفه بشيء.
تذكرت هنا حديث لأحد الزملاء من دارفور والذي قال لي بأنه أحس بالتهميش منذ الصف الأول الإبتدائي وذلك عندما أشار لهم في الحصة أحد المدرسين الى صورة التمساح ليتعرف عليه التلاميذ حتى يسهل عليهم فهم حرف التاء فرفع صاحبنا أصبعه وقال ( وا ورل) وورل حيوان زاحف يعيش في البرك هناك , قام المدرس بجلد صاحبنا وعندما كبر سأل نفسه لماذا جلد في ذلك اليوم هل لأنه لا يعرف التمساح وكيف له أن يعرفه وهو لا يتواجد إلا في الأنهار وليس هناك نهر في دارفور, ذهب صاحبنا الى أسئلة أكثر عمقا: لماذا يدرس باللغة العربية ومعظم سكان دارفور ليسوا عرب والتلاميذ يدخلون المدارس ولا يعرفون التحدث باللغة العربية؟ لماذا لا يدرسونهم بلغاتهم المحلية مثل الهند والصين ودول إمريكا اللاتينية الذي يدرس في المدارس باللغات المحلية في مراحل الأساس؟ ألا يعني فرض اللغة العربية في المدارس بفرض ثغافة الغير؟ أليس ذلك إلغاءا للثقافات الأخرى؟ أليس ذلك تهميشا للآخر؟.
تأملت لكلمات زميلي الأفريقي والدارفوري وإنتابني الحصرة عندما تذكرت كيف يتفانى الأفارقة لإنقاذ أهل دارفور – كيف أتوا بقوات عسكرية وكيف جاءوا بالحكومة والمتمردين في أبوجا ليصلحوا بينهم . لقد تحرك كل الأفارقة رئيسا ومرؤوسا عندما عرفوا أن بعض العرب في السودان يقال لهم الجنجويد تساندهم الحكومة يبيدون إخوانهم الأفارقة هناك، أصبحت أقراء الصحف الأفريقية وأتصفح مواقعهم الإلكترونية ولمحت مدى تحصرهم لما يجري في دارفور، فكتابهم يعبرون عن مدى مراراتهم وردود أفعالهم حيال يجري في دارفور ، فهذا يناشد رئيس بلده بإصدار قرار لإجلاء أهل دارفور الى بلده حيث يتوفر الأمن والرعاية، وتلك يصف رئيس بلده بالكسل وخمول الضمير لأنه لم يتحرك بسرعة لإنقاذ سكان دارفور، وكتب أحدهم من زمبابوي يسخط من الأمم المتحدة لتباطؤه بإستصدار قرار بالتدخل الفوري في دارفور وهو يري حسب بنود الأمم المتحدة بخصوص قانون الإبادة الجماعية والتعديلات التي طرأت على القانون بعد أحداث رواندة ( ينص على التدخل الفوري لمنع وقوع الإبادة الجماعية في أي بلد في حال سماع أي أخبار لإحتمال وقوع ذلك) بينما في السودان حدث سلفا ولا أحد يحرك ساكنا. ويذهب صحفي نيجيري بأنه حسب تعريف الإبادة الجماعية ( genocide) المنصوص في لوايح الأمم المتحدة وحسب الأدلة المتوافرة في أحداث دارفور بإن ما يحدث هناك هي إبادة جماعية 100%. رجعت الى الإعلام الغربي وما يكتبه الزنوج ذو الأصول الأفريقية في إمريكا ومدى تحركهم تجاه الأزمة الإنسانية في دارفور والضغوط التي يمارسونها للإدارة الإمريكية للتحرك الفوري ووضع حد لهذه الأزمة بأي وسيلة، كما رأينا كيف تحرك وزير خارجيتهم وهو زنجي أيضا وكيف عبر عن مدى قلقه بهذه الأزمة وإهتمامه وقد همس لأحد مستشاريه خلال زيارته لمعشكر أبو شوك عندما إحتفل به النازحون حيث قال بأنه مستحيل ترك هؤلاء بهذا الوضع كما رأينا مؤخرا كيف أدلى بشاهدته أمام الكونجرس حول الإبادة الجماعية في دارفور وهو أول مسئول رسمي يعترف بحدوث الإبادة الجماعية في دارفور. و شاهدنا كيف جلس الأمين العام للمنظمة الدولية تحت الشجرة مع النازحين كمن يجلس مع أهله. تذكرت كيف إجتهدوا من قبل لحل مشكلة جنوب السودان. وأمام كل هذه الأمراض الخبيثة التي أصابت الجسم السوداني يصب الأخوة العرب الزيت على النار بتكذيبهم للحقائق وتفسيرها بتأويلات تهدف عدم الإهتمام بما يجري من كوارث إنسانية فهم عندما كانت الحكومة والجنجويد يرتكبون الفظايع بأهل دارفور، كانوا متفرجون ولم يحركوا ساكنا لأن القاتل عربي والمقتول غير عربي حسب فهمهم الذي يتلقونه من الحكومة السودانية ولكنهم عندما أتى الأفارقة ومعهم المجتمع الدولي لإنقاذ هؤلاء الضحايا إستفاقوا من نومهم وجعلوا كل أدوات إعلامهم سهاما ينخر في نعش أهل دارفور المغلوب على أمرهم فمصرمثلا وجه كل إعلامه وعلماءه ومنظريه للدفاع عن الحكومة السودان بغص النظر عما إرتكبته – لقد وصف أحد مسئوليه الحكومة النيجيرية بالعمالة للأمريكان وقام الشيخ القرضاوي بزيارة للسودان ليبرر دينيا بأن ما إرتكبته الحكومة ليس خطاءا وطالب الجميع بالوقوف معها ونصرتها على هذه الأباطيل. أما مسئولي الحكومة المصرية فكل تصريحاتهم هي محاولة لربط ما يحدث في دارفور والعراق وفلسطين لتنبيه العرب بأنهم مستهدفون من قبل الصهاينة والنصارى يريدون تمزيقهم والغريب في الأمرأن في مصر يوجد حوالي 400 ألف يهودي حسب الإحصاءات التي صدرت بعد أحداث طابا وسينا مؤخرا! . أما حول ضحايا دارفور الذين قتلوا بسلاح حكومتهم ويتعرضون للإغتصاب والنهب والتشريد وحرق قراهم بواسطة الجنجويد فلا يرون في ذلك حرج. أما باقي الدول العربية فجلهم لزم الصمت حيال ذلك، بينما رفع بعضهم شعار النصرة للعرب في فلسطين والعراق فقط بينما دبلوماسية الحكومة السودانية ما زالت تجول وتصول في عواصمهم لتبث لهم الأكاذيب وتطالبهم بالوقوف معها لدهر اليهود والنصارى وسحق متمردي دارفور.
والحكومة من جانبها بدلا من التعامل مع الظرف الحالي من الشلل التام الذي يمر به البلاد بنوع من العقلانية والرجوع الى صوابها وإستأصال الورم الخبيث الذي لا زال ينتشر بسرعة فائقة ليعم الجسم السوداني بأكمله، لا زالت تصر على موقفها العقيم وعدم الرجوع الى صوت العقل. فمحاولاتها اليائسة في تضخيم الإعلام لمواجهة الإعلام العالمي ما هي الا زيادة في الطين بلة، ونذكر هنا قيام الحكومة مؤخرا بتعيين المدعو الدكتور ربيع عبدالعاطي لقيادة الإعلام المضاد حول مشكلة دارفور وقيام الأخير بتصوير الأحداث بشكل مضلل بعد أن عرف كل العالم بحقيقة ما يجري هناك وهذا الموقف سيؤدي الى مزيد من صب الزيت على النار، وأيضا إحتفاظ الحكومة ببعض العناصر من أبناء دارفور ذات العلاقة بالجنجويد أمثال مسار وكاشا سيزيد من صلابة مواقف الحركات المسلحة هناك خاصة وضع هؤلاء في الواجهة الإعلامية كمثل الظهور المتكرر لمسار وإدعاءاته الكاذبة في برنامج المدعو أحمد البلال والذي إدعى فيه الأول بأنه يمتلك معلومات مهمة حول العلاقة بين حركة بولاد وحركة تحرير السودان وإتهامه لبعض الأشخاص وهو يعلم أن معلوماته مغلوطة ولا تضر ولا تنفع، فمسار هو من المسببين لكارثة دارفور عبر تاريخ طويل وحافل بالعنصرية المنظمة والحقد الدفين لتدمير العنصر الأفريقي ووذلك بتكوين أجسام عربية خبيثة مثل قريش1 ، قريش2، التجمع العربي ومليشيات الجنجويد والذي يهدف بها إزالة العنصر الأفريقي وإستعانة الحكومة بمثل هؤلاء الخونة من أبناء دارفور وتعيينهم في وظائف عليا وإبعاد العناصر الأفريقية ما هو الا دليل قاطع بأن الحكومة لا تفكر أبدا في حل المشكلة بل تواصل في تصعيدها للتطهير العرقي كما أن تعيين مثل مجذوب الخليفة والمتهم هو الآخر بالعنصرية المطلقة ضد كل من هو ليس عربي في السودان على رأس وفد التفاوض ستكون مضياع للوقت وليست محاولة لإيجاد الحلول.
و حيال كل هذه المفارقات بين الموقفين العربي والأفريقي من ناحية والموقف الحكومة والدولي من ناحية أخرى تبرز أسئلة متتعددة تطرأ نفسها فأولا لماذا كل المشاكل التي حدثت في السياسة السودانية طرفه المظلوم هو من الأصول الأفريقية بينما الظالم هو من الأصول العربية؟، فحرب الجنوب والذي أخذ الى جانب عوامل العرق العامل الديني هو بين الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي و في دارفور والذي لا وجود لعامل الدين في النزاع هو بين الشمالي العربي المسلم والشمالي الأفريقي المسلم؟ ولماذا رغم وجود الجامعة العربية تأتي الحلول من الأفارقة فكل جلسات التفاوض حول حل مشكلة الجنوب قد عقدت في مدن أفريقية من أديس أبابا, أبوجا، مشاكس ونيفاشا وكذا حول دارفور في مدن أبشي, أمجمينا، أديس وأبوجا؟ ومما لا شك فيه بأن المتمرين في السودان لا يقبلون بأي حل يولد من صلب الحكومات العربية لإدراك المتمردون بأن الدول العربية دائما في مثل هذه الحالات يلجأون للولادات القيصرية الغير مضمونة النجاح ولأن أحد الأطفال غير عربي حسب مرئيات الهامش الأفريقي سوف يعامل على رأي المثل العربي ( أضربهم ضرب غرائب الإبل ) .
لا يخفى على المجتمع الدولي أن الحكومة و منذ 1990 م قامت بسياسة الأرض المحروقة في الجنوب على المناطق الغنية بالبترول بهدف إجلاء سكان المنطقة لإستغلال البترول هناك حتى توفر المال اللازم لدعم المجهود الحربي لمحاربة مناطق الهامش وإلجام الألسنة التي تطالب بالمساواة في السلطة والثروة و حقوق المواطنة، وبالفعل نزح سكان الجنوب من تلك المناطق وأفلحت الحكومة في إستخراج البترول الذي تصدر منه يوميا حوالي ال320 ألف برميل وبدخل يومي يتجاوز المليون دولار مما سيحتم إستمرارية الحرب وبالتالي المزيد من الضحايا في الهامش الكبير وهذا هو الهدف الذي جعل الإدارة الأمريكية تتصارع في إستصدار قرار من مجلس الأمن بحذر تصدير البترول السوداني في حالة عدم قيام الحكومة بحل أزمة دارفور.
الحكومة من جانبها بدأت تتلكأ وتتماطل في تحسين الأوضاع الأمنية للنازحين في دارفور والبت في وضع حد لملف الجنجويد حسب إتفاقها مع الأمين العام للمنظمة الدولية كما بدأت تتلاعب بالمفردات بخصوص إتفاقيات نيفاشا بحل مشكلة الجنوب مع الحركة الشعبية، وقد صرح زعيم الحركة مؤخرا بأن أكثر من 90% من سكان الجنوب يفضلون الإنفصال بدلا من الوحدة لعدم ثقتهم بالحكومة، وهذا دليل مادي على صحة فرضية إنفصال الجنوب خاصة في ظل وجود كرت حق تقرير المصير على أيديهم حسب الإتفاق. إنفصال الجنوب المهمش بإعتراف الجميع يعني إنفصال كل الهامش في السودان واحدا تلو الآخر والجميع يعلم أن الجنوب في حالة إنفصاله سيجد تنمية في زمن قياسي نسبة للثروات الطبيعية الهائلة والغير مستغلة والتي سيساهم فيها الدول المانحة بشكل أكبر في إستخراجها في أقرب فرصة وهذا الوضع الجديد سيغري كل الهامش السوداني في اللجوء الى الإنفصال بأي وسيلة لأن نتائج الإنفصال سيظهر في الجنوب فورا.