أبو بكر القاضي - نستنكر أي إرهاب ديني ضد المبدع أسامة أنور

المبدع المصري اسامة انور عكاشة من الذين ذكرهم الراحل المقيم د‚غالي شكري ضمن قائمة طويلة في مقال تحت عنوان «من ذاكرة الوطن الى ذاكرة المسدس» بمجلة الفكر والفن والابداع المعاصر «القاهرة» العدد «118» سبتمبر 1992 واعتذر لمن يظن في الامر اطالة دون داع قائلا فهذه الاسماء ومئات بل آلاف غيرها ليست اكثر من اشارات ترد عفو الخاطر أدلل بها على ان الثقافة المصرية لم تقصر في اي وقت في بناء الذاكرة الجماعية للشعب المصري واعادة بنائها كلما تعرضت لصدع من وطأة الاحتلال أو الغزوات أو لهيمنة الاستبداد والطغيان والاختراق‚ هذا هو مبدعنا الذي نحن بصدد تسجيل موقف لانفسنا بالذود عن حياض حرية الفكر والتعبير حين نتصدى للدفاع عنه‚ الخبر يقول: قررت مجموعة من المحامين المصريين التقدم بشكوى قضائية ضد الكاتب المصري اسامة انور عكاشة بعد اساءته للصحابي عمرو بن العاص حين وصفه بـ «أحقر شخصية في الاسلام» مما اثار غضب الاوساط الدينية‚ ومصدر الخبر هو المحامي الاسلامي الشهير في مصر منتصر الزيات احد كتاب منتدى جريدة «الراية» القطرية التي أوردت الخبر‚ علل عكاشة سبب هجومه على عمرو بن العاص بان الكاتب «ان اراد تشكيل اي صورة تاريخية ليتم تمثيلها في عمل درامي فانه سيشكلها كما يراها هو وليس كما هي مثبتة في التاريخ»‚ الاستاذ الزيات يقول: هذه قضية دينية ويجب ألا يتم السكوت عليها‚ النيابة العامة والقضاء المستنيران ‚‚ وحرية الفكر والتعبير ما اشبه الليلة بالبارحة؟ هل يعيد التاريخ نفسه؟ يورد الكاتب جابر عصفور في كتابه هوامش على دفتر التنوير قضية المبدع والكاتب د‚طه حسين في صباح 30 مايو سنة 1926 تقدم الشيخ حسنين الطالب بالقسم العالي بالازهر ببلاغ الى سعادة النائب العمومي يتهم فيه الدكتور طه حسين الاستاذ بالجامعة المصرية بانه ألف كتابا اسماه (في الشعر الجاهلي) ونشره على الجمهور وفي هذا الكتاب طعن صريح في القرآن العظيم حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم الى آخر ما ورد في بلاغه‚ ثم تقدم لاحقا من فضيلة شيخ الجامع الازهر في 5/6/1926 بتقرير رفعه اليه علماء الجامع الازهر والسيد عبدالحميد البنان افندي عضو مجلس النواب تقدموا بشكوى للنيابة حول كتاب «الشعر الجاهلي»‚ قامت النيابة بنظر الامر وبعد التحقيق والتدقيق اصدرت قرارها بتاريخ 30 مارس 1927 بتوقيع السيد محمد نور رئيس نيابة مصر ذلك القرار الذي وصفه الاستاذ جابر عصفور بأنه وثيقة من وثائق التنوير في تاريخنا الحديث جاء في نهاية حيثيات قرار النيابة بالحرف ما يلي: «ان للمؤلف فضلا لا ينكر في سلوكه طريقا جديدا للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين ولكن لشدة تأثر نفسه بما اخذ عنهم تورط في بحثه حتى تخيل مقاما ليس بحق أو ما زال في حاجة الى اثبات انه حق فكان يجب عليه ان يسير على مهل وان يحتاط في سيره حتى لا يضل ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة‚ وحيث انه مما تقدم يتضح ان غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل ان العبارات الماسة بالدين التي اوردها في بعض المواضع من كتابه انما اوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده ان بحثه يقتضيها‚ وحيث انه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر فلذلك تحفظ الأوراق اداريا»‚ هبوط في مستوى حرية الفكر والبحث بعد «70» عاما !! اذا كان وكيل نيابة مصر قد اصدر قرارا تاريخيا منح الضوء الاخضر لحرية البحث والفكر فان مسيرة الحرية في مصر قد تعرضت لنكبة كبيرة بعد 70 سنة من قرار وكيل نيابة مصر وذلك في حكم محكمة النقض الدائرة المدنية في الطعن رقم 455 لسنة 65 ق جلسة 5/8/1996 حيث انتهت المحكمة الى ان الطاعن الاول «نصر حامد ابو زيد» مرتد وأمرت بالتفريق بينه وبين زوجته‚ وجاء في حيثيات الحكم التي اشار اليها د‚حسن محمد هند في كتابه النظام القانوني لحرية التعبير ما يلي: ما ابداه الطاعن الاول في مصنفاته انها تضمنت وفقا لصريح دلالاتها ومالا احتمال معه لأي تأويل جحدا لآيات القرآن الكريم القاطعة بأن القرآن الكريم كلام الله اذ وصفه بأنه «منتج ثقافي وأن الايمان بوجود ميتافيزيقي يطمس هذه الحقيقة ويعكر الفهم العلمي للنصوص وينكر سابقة وجوده في اللوح المحفوظ ويعتبره مجرد نص لغوي ويصفه بأنه ينتمي الى ثقافة البشر وانه تحول الى نص انساني متأنس» منحيا عنه صفة القدسية استهزاء بقيمته وينكر ان الله تعالى هو الذي سمى القرآن بهذا الاسم جاحدا للآيات القرآنية التي صرحت بذلك مع كثرتها‚ وذكر في ابحاثه في الاسلام ليس له مفهوم موضوعي محدد منذ عهد النبوة الى يومنا هذا وهو قول هدف به الى تجريد الاسلام من اي قيمة او معنى‚‚ وخلصت المحكمة الى القول: «من المقرر به شرعا ان الردة تثبت بالاقرار أو البينة الشرعية والمقرر في المذهب الحنفي ان المرتد لا ملة له ولا يقر على ردته وردة الرجل فرقة بغير طلاق وانتهى الحكم الى ان الطاعن الاول مرتد وفرق بينه وبين زوجته ! هذا هو الدرك الذي سقطت فيه مصر بعد 70 عاما من براءة د‚طه حسين لان اقواله التي لا يقرها وكيل نيابة مصر آنذاك قد وردت في اطار «بحث»‚ ولم تسم محكمة النقض لتقديس حرية البحث والفكر وتجاوزت كل الموروث الحضاري للانسانية في نهاية القرن العشرين‚ اسست محكمة النقض حكمها على المتراكم من الفقه الحنفي والذي يعود الى عهود ما بعد قفل باب الاجتهاد الى عهد فقهاء وقضاة السلطان الذي نصب نفسه «ظل الله في الارض»‚ نمجد الصحابة جملة ونرفض تأليه الافراد في السوابق التي اوردناها اعلاه كان الجدل يدور حول القرآن اما ان يهبط بنا المقام الى تأليه الصحابة كافراد فهذا ليس من الحكمة في شيء‚ نعم الصحابة في جملتهم عدول ونجوم وهذا لا يمنع من له الدليل ان ينتقد الصحابي‚ فعمرو بن العاص مشهور بانه «داهية» من دهاة العرب وقد كان له ضلع كبير في الفتنة الكبرى وهو احد الحكمين الذي ثبت معاوية في الحكم خلافا لما اتفق عليه مع وكيل الامام علي كرم الله وجهه الذي اعلن خلعه من الحكم حسب اتفاقه مع عمرو‚ وقد ظل معاوية ومعاونه عمرو بن العاص يشتمون عليا كرم الله وجهه من منبر المدينة المنورة والمساجد الاخرى وبحضور من تبقى من الصحابة على قيد الحياة الى ان جاء الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبدالعزيز الذي تكرم بايقاف شتيمة الامام علي وبنيه من آل البيت في نهاية خطبة الجمعة واستبدل شتيمة آل البيت بالسنة الحميدة المحفوظة الى يومنا هذا: (عباد الله‚‚ ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون‚‚ اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمكم يزدكم ولذكر الله اكبر والله يعلم ما تصنعون»‚‚ قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله واقم الصلاة‚ لا لإرهاب الكتاب والمبدعين عمرو بن العاص كان احد الخبراء العرب بشؤون القرن الافريقي ومصر وهو الذي فتح مصر بناء على التقرير الامني «يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا» وعندما دنا اجل معاوية بن ابي سفيان حذر ابنه يزيد منه وقال لابنه فيما معناه اذا حدثت وفاتي فدع عمرو بن العاص ينزل داخل قبري ثم احمل عليه السيف وهو داخل القبر واطلب منه ان يبايعك‚ وفعل يزيد ما وصاه به ابوه بالحرف فلم يجد عمرو بدا من مبايعة يزيد ومع ذلك لم يفت عليه من هذا الظرف العصيب ان يسأل يزيد قائلا: من علمك هذا؟! يجب ان نعترف بأن شخصية عمرو بن العاص كانت شخصية خلافية فاذا نظر اليه اهل قاهرة المعز بموروثهم الثقافي الشيعي وموروثهم الثقافي الصوفي المحب لآل البيت والذي له رأي سلبي حول الجيل الاول من بني امية ومنهم عمرو بن العاص يجب ان نجد لهم العذر وان نتفهم ثقافة شعب يقدس مقام الحسين والازهر الشريف‚ لماذا لا نتحاور بدلا من التكفير امام المحاكم؟ نعم الصحابي عمرو بن العاص هو شخصية خلافية‚ ومن حق الناس ان يختلفوا في تقييمهم ورأيهم له‚ والاجراء الطبيعي في هذه الحالة هو ان نتحاور بشأنه ونفتح باب الحوار واسعا في شأنه سلبا أو ايجابا دون ان يكفر اي منا الآخر ودون ان نعطيه قدسية «الصحابة مجتمعين»‚


[email protected]