محاكمة الترابي هي محاكمة للانقاذ ‚‚ وتهمة التخريب ستعود لسنة 1989
أبوبكر القاضي [email protected]
شهدت السفارة السودانية بالدوحة في الاسبوع الأخير من شهر سبتمبر المنصرم فعاليات حوارية نظمها على عجل سعادة السفير عمر حيدر أبو زيد بمناسبة زيارة الاستاذ مهدي ابراهيم القطب الاسلامي المعروف منذ احداث مارس 1970 بالجزيرة ابا حيث كان واحدا من المطلوبين الهاربين‚ ورحم الله الشهيد الإمام الهادي عبدالرحمن والشهيد محمد صالح عمر‚ تحدث الاستاذ مهدي ابراهيم عن المتغيرات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة‚ وبعد 11 سبتمبر 2001 وما ترتب على ذلك من انتهاء ثقافة سيادة الدول‚ وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ‚‚ الخ‚ ثم دلف الى اوضاع السودان قبل الانقاذ والمبررات الموضوعية لقيام انقلاب الانقاذ‚ ثم تناول معجزة «بقاء» الانقاذ خاصة في السنين الأولى‚ ثم تناول تكالب دول الجوار على السودان‚ وتناول بالتفصيل الجهد المضني الذي قام به النائب الأول في نيفاشا للوصول الى اتفاق شامل‚ وتوقف كثيرا عند محطة احداث دارفور وعلاقة هذا الملف بالحركة الشعبية منذ عام 1991 ــ حركة الشهيد بولاد ــ ثم حط رحاله عند المؤامرة التخريبية للحزب الشعبي بقيادة الترابي‚ وعلاقة الشعبي باحداث دارفور وحركة العدل والمساواة بصورة خاصة‚ وتحدث عن محاكمة الترابي وحزبه بالقوانين التي شرعوها‚ وأمام محاكم مدنية وليست عسكرية‚ الحضور من حيث الكم فوق الوسط‚ ومن حيث النوع كان ممتازا بمعنى انه كان متنوعا ومتكافئا في تنوعه‚ لأن الذين حضروا أتوا بناء على اعلانات الصحف دون حشد او دعوات خاصة‚ كنت أول المناقشين‚ وقد اشتملت مداخلتي على النقاط التالية: أ ــ ان المحاضر قد نعى لنا الدكتور حسن الترابي‚ وكشف عن تصميم الحكومة على قتله‚ ب ــ المرارة التي تحدث بها المحاضر عن الدكتور جون قرنق تؤكد ان مصير الجنوب سيكون الانفصال بعد الفترة الانتقالية‚ ومن ثم سيكون السودان كله عرضة للتمزق‚ ج ــ سوف تتحمل الحركة الاسلامية السودانية مسؤولية تمزيق السودان‚ وتوالى المتحدثون من حزب الشعبي بالمداخلات والاسئلة‚ وسجلوا حضورا مميزا‚ لم تبخل عليهم المنصة بالفرص‚ ولم تتضمن مداخلاتهم أي مهاترات او خروج عن اللياقة‚ سجل حزب الأمة ايضا حضورا مميزا بالزي الانصاري وبأسلوب الحوار‚ قال احد متحدثيهم ان مشكلة «الوطني» و«الشعبي» انهما حزبان «صغيران»‚ وقد عجزا ــ متحدين ومنفردين ــ عن حكم السودان‚ حاول أحد منسوبي المؤتمر الوطني تعكير الجو بالهتاف مطالبا بـ «الحسم» يقصد حسم الترابي ولكنه لم يجد استجابة لأن المناخ لا يسمح بهذا النوع من الاسلوب‚ فالجمهور الذي حضر قد جاء طواعية للاستماع لمهدي ابراهيم السياسي المفوه والكاتب الصحفي‚ والدبلوماسي المميز والوزير العفيف نظيف اليد الذي سلم السيارة والمنزل في اليوم الثاني من تركه لوزارة الإعلام للمنخرطين الجدد في الانقاذ من حزب الأمة جناح مبارك الفاضل‚ يبدو ان النجاح الكبير الذي تحقق في أمسية الاثنين قد أغرى سعادة السفير عمر حيدر والمحاضر على السواء بتوجيه دعوات خاصة في اليوم التالي لمحاورة السيد مهدي ابراهيم في منزل السفير‚ وقد وجهت الدعوة لحوالي 15 شخصا يمثلون كوادر حزبية وكتاب الأعمدة بالصحافة القطرية وبعض أساتذة جامعة قطر من السودانيين‚ في هذا اللقاء الخاص تناول الاستاذ مهدي ذات المسائل التي تناولها في محاضرة الأمس والمشار اليها أعلاه‚ إلا انه تجنب الحديث عن ضرورة محاكمة الترابي بقوانينه التي شرعها‚ ومع ذلك لم يسلم من الحوار من جره لهذا الموضوع‚ مداخلة الاستاذ عبدالمنعم المكي: شيخ العرب الاستاذ عبدالمنعم المكي قال له بالحرف («فلتكن هذه جلسة للمناصحة»‚ لقد حاكم المشير البشير ونائبه علي عثمان الترابي على الهواء وامام اجهزة الإعلام والرأي العام المحلي والعالمي‚ وحكم البشير «بقطع رأسه»‚ وهذا يخالف ابسط مبادىء فصل السلطات‚ فماذا ترك البشير للقضاء ليقوله؟ وهل الانقلاب عندالبشير جريمة وهو أتى بانقلاب؟)‚ مداخلة د‚ أبو الحسن: أما الدكتور ابو الحسن «مستشفى حمد» فقد كانت مداخلته ساخرة وبليغة وقد تركزت ايضا حول محاكمة الترابي‚ حيث تساءل: كيف يحاكم النظام عقله المدبر؟ ويصف أعماله وتصرفاته ومواقفه بالتخريب؟ وقال فيما معناه هل بدأ التخريب في 2004؟ أم منذ 1989؟ كما تساءل عن النقد الذاتي‚ د‚ طارق الشيخ مداخلة د‚ طارق الشيخ كاتب العمود بجريدة «الراية» القطرية كانت ايضا على صلة بما يسمى بالمؤامرة التخريبية‚ قال فيما معناه ان الحكومة مصابة بهواجس من جنس أعمالها هي‚ على قاعدة إذا ساء فعل المرء ساء ظنه‚ فهي ولأنها حكومة قامت أساسا على المؤامرة على الديمقراطية وعلى الانقلاب عليها لذلك فهي مصابة بداء فوبيا الانقلابات‚ ونسبة لأن الحزب الشعبي هو حديث عهد بالسلطة والجيش فإن الحكومة تمارس هواجسها وتتوهم انقلاب الشعبي على الدوام‚ الاستاذ صلاح سعيد: أما مداخلة الاستاذ صلاح سعيد «رابطة جبال النوبة» فقد تركزت حول صحة أقوال الاستاذ مهدي ابراهيم التي ادعى فيها ان الحركة الشعبية عام 1989 كانت ترتب لارتكاب مجازر في الخرطوم‚ وانها تستهدف استئصال العنصر العربي في السودان‚ نفى الاستاذ صلاح سعيد هذه المزاعم‚ وقال ان القضية هي قضية تهميش سياسي واقتصادي وليست قضية ضد العروبة او الاسلام‚ والدليل على ذلك ان الصراع تحول الى دارفور المسلمة بنسبة مائة بالمائة للاشتراك في علة التهميش‚ أما الخليفة احمد محجوب‚ والذي كلفه سعادة السفير بقراءة قرآن الافتتاح والتبريك في المحاضرة العامة الأولى يوم الاثنين كناية عن التسامح وقبول الآخر‚ فقد كانت مداخلته في الندوة المقفولة حول نفي الايحاء بأن الحزب الاتحادي الديمقراطي قد تصالح وعاد للخرطوم‚ اما الدكتور عثمان عبدالمجيد «جامعة قطر» فقد تساءل عن «الجنجويد»‚ أما الاستاذ حسين رستم المحامي ــ رئيس حزب المؤتمر الوطني بالدوحة ــ فقد أسس مداخلته على خلفية الصراعات الاثنية في السودان وفي دارفور‚ والجنوب واستهداف العنصر العربي‚ والبعد الديني المسيحي ــ الاسلامي‚ فتساءل: هل المشكلة هي «بلورة الشخصية السودانية»؟ أما مداخلة كاتب هذه السطور في اللقاء الخاص فقد تركزت حول النقاط التالية: 1 ــ التأمين على ما قاله شيخ العرب ــ عبدالمنعم المكي ــ من ان محاكمة الترابي قد تمت سلفا من قبل الرئيس البشير ونائبه الأول‚ وهي محاكمة سياسية وليست قضائية‚ وما تبقى هو التنفيذ فقط عن طريق القضاء!! وأستطرد هنا لزوم العبرة من التاريخ فأذكر بأن محاكمة الشهيد محمود محمد طه عام 84/1985 قد تمت داخل القصر أولا بين المشير النميري وزبانيته‚ ثم تم التنفيذ قضاء بواسطة قضاة الطوارىء ومنهم كوادر اسلامية منسوبة للشيخ حسن الترابي الذي حاكمه القصر سياسيا وقضى بقطع رأسه‚ ولم يبق سوى التنفيذ قضاء! في عام 1985 لم يشفع للشهيد محمود تأييده السلبي والايجابي لنظام مايو‚ وكتابه «لماذا نؤيد مايو؟»‚ ونزول الاخوان الجمهوريين للميدان للتأكيد المباشر في «شعبان» 1973 بالمنشورات‚ و«الطائفية تتآمر على الشعب» بعد محاولة الشهيد حسن حسين في سبتمبر 1975‚ وكتاب «الطائفية وعار الأبد» بعد محاولة الشهيد محمد نور سعد في 2 يوليو 1976‚ التي كانت بتدبير من حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والاخوان المسلمين لم يشفع كل هذا الماضي للجمهوريين عند النميري الذي كتب بنفسه حيثيات جديدة تلاها في التليفزيون وهو يمارس سلطة التأييد بالإعلام بصفته رئيس الجمهورية‚ فهو انما يصادق على حكم سواه‚ الفرق بين الشهيد محمود والترابي‚ ان الأول يمتلك كتبا‚ وتلاميذ وديعين‚ اما الثاني فانه يمتلك كتبا‚ وتلاميذ شرسين مجاهدين‚ ومخازن سلاح‚ فهل يقدم المشير البشير على فعلة سلفه المشير النميري؟ انا شخصيا علمتني الحياة ان ابني على أسوأ الاحتمالات‚ ففي مسرح السلطان عند سعدالله ونوس في كتابه «الملك هو الملك» يؤكد على أهمية دور السياف في مسرح السلطان‚ في تحليل آخر يقول ان معادلة توازن الرعب لا تسمح للقصر الجمهوري وأجهزة الأمن باغتيال د‚ الترابي عن طريق القضاء لأن نهر الدم إذا بدأ لن يتوقف‚ وسوف يطال أول من يطال الرؤوس الكبيرة‚ فالاسلامبولي قد وجه رصاصته للشهيد انور السادات ولم يوجهها للزبانية‚ 2 ــ التأمين على ان محاكمة الترابي هي محاكمة لنظام الانقاذ منذ عام 1989 وان اتهام الترابي ــ عقل النظام بالتخريب‚ يسحب وصف التخريب على كل عهد الانقاذ‚ وهذا الوضع سيجعل البشير ونائبه علي عثمان «الغائب الحاضر» في قفص الاتهام جنبا الى جنب مع الترابي فالانقلاب هو الانقلاب‚ 3 ــ مشكلة الحكومة انها محكومة بالعقلية الأمنية‚ حزب المؤتمر الوطني هو «الحزب الحاكم الذي لا يحكم» قلنا للاستاذ مهدي انت وأمثالك من المفكرين في الحزب لا تحكمون‚ لهذا اخطأت الحكومة في دارفور حين تبنت الحلول الأمنية‚ للاستطراد أذكر القارىء بان حكومة الانقاذ قد لفظت مفكريها‚ فهاجر د‚ تجاني عبدالقادر الى ماليزيا ومنها الى أميركا‚ كما هاجر د‚ الطيب زين العابدين‚ وانزوى بروفيسور حسن مكي بلغة جامعة افريقيا العالمية في الخرطوم ‚‚ الخ‚ الدوحة توصل نبض الشارع للانقاذ: لم يجد الاستاذ مهدي ابراهيم صعوبة في الرد على كافة المداخلات‚ فقد استأثر بحوالي 75% من زمن اللقاء الذي استمر لأكثر من ثلاث ساعات‚ فالسيد مهدي له قنواته ومنابره‚ والذي حرصت على توصيله للقارىء الكريم هو ان المعارضة السودانية في الدوحة قد تمكنت من توصيل رأيها الذي هو نبض الشارع السوداني‚ فالحكومة هي التي دفعت المعارضة لحمل السلاح حين قالت انها لا تفاوض إلا من حمل السلاح‚ مشكلة الحكومة انها ليست جادة في حواراتها فهي تحاور مناورة لكسب الوقت فقط‚ ونذكرها بأن نبض الشارع مدرسة وهو الذي يعلم‚