حصر تداعيات أزمة دار فور وما أفرزته من أحن إعلامية.. وخطاب سياسي
كما يبدوا أن إستقرارنا صار من الأمنيات.. والأمنيات رأس مال المفلس قديماً قيل هكذا.. فتلك من الأماني.. السكينة..والطمأنينة.. وهدوء البال.. فالله سبحانه وتعالى لا يحابي أحداً.. وعدالته تأبي ذلك.. ومعلوم أن ما بيننا وبين عصر الرسالة أكثر من ألف سنة ولكن الكتاب الكريم.. سرد أخبار هذه الحضارات وغيرها وبتفصيل ليوجه رسالة للأمة الإسلامية.. مفادها.. من استقام على أمر الله فله السعادة في الدينا والآخرة.. ومن تنكب عن شرائع الله وهجرها.. فمن السنن أن يناله العقاب في الدنيا ـ مع كونها ليست دار حساب وعقاب.. وله مثل ذلك في الآخرة.. لا فرق بين البشر.. ومن هنا جاء تخوف صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام.. أن تسقط أمته وهي المكلفة بالشهادة على الدنيا.. ولكن سادتنا وكبرئنا أضلونا السبيل.. وسقطنا كما سقطوا من قبلنا فيما سقط فيه غيرنا فحل فينا ما حل فيهم..
وهناك قضية أخرى يسجلها القرآن النازل في مكة.. ويفرد لها سورة الروم وفي ستين آية.. وهي تتحدث عن صراع الفرس والروم.. وهي درس للأمة إلى قيام الساعة.. كي لا تقف موقفاً سلبياً لا مبالاة فيه مما يجري في الكون والشهادة تقتضي ذلك.. لا مجال لإيرادها هنا.. لحصر تداعيات أزمة دار فور وما أفرزته من أحن إعلامية.. وخطاب سياسي..
ومما له صلة بالموضوع أن نجد صاحب الرسالة (صلعم) يأمر المسلمين المضطهدين بمكة أن يهاجروا للحبشة.. لأن فيها ملكاً عادلاً لا يظلم الناس عنده.. وتتكرر الهجرة كما تحاول قريش إسترداد المسلمين من هناك.. فيرفض النجاشي ذلك ويمنحهم حماية كانوا في أمس الحاجة لها.
ومن مناقضة المفاهيم الدينية عند حديث السيد/ رئيس الجمهورية في تصادم توجهه الحضاري مع الحضارات الأخرى أن يتمشدق ملء شلاليفه ويحنجر حنكه مخاطباً أمتي (أمة الأمجاد على الجملة) ويقول (هل نسلم بأن العالم الغربي أصبح أرق كبداً على أهل السودان من السودانيين أنفسهم).. السؤال بسيط في نفس كل مسلم وسوداني من واقع الحال بأن تكون الإجابة هذه المرة (نعم) إستناداً عند صاحب الرسالة (صلعم) وهو يتحدث عن أمتين متجاورتين ـ الفرس.. والروم ـ فيصف مصيرهما.. كما يصف بدقة علاقة المسلمين بهما.. ويقول عليه الصلاة والسلام ((فارس نطحة أو نطحتان، ثم لا فارس بعد هذا، والروم ذات القرون، كلما هلك قرن، خلفه قرن، أهل صبر، وأهله أهل لآخر الدهر، هم أصحابكم، ما دام في العيش خيراً)).[1] وفي مسند الإمام أحمد حديث لصاحب الرسالة (صلعم) يقول ((أشد الناس عليكم الروم، وإنما هلكتهم مع الساعة)).[2]
ولعل من تمام الرد ذكر حديثاً سمعه عمر بن العاص رضي الله عنه عن الروم، فعلق عليه تعليقاً يدل على مدى فهم العرب لجيرانهم الروم، ولمقدار إنصافهم.
فقد روي موسى بن علي عن أبيه قال:[3] قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص، سمعت رسول الله (صلعم) يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس)، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله، قال عمرو: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصال أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميل: أمنعهم من ظلم الملوك.
لا نعلم هل قال هذا ـ داهية العرب من عنده، أم هو قبس من نور النبوة، وفي كل الأحوال، فهو ينبئ عن معرفة دقيقة أولاً، وعن إنصاف كبير للقوم الذين تجرأ عليهم قائد الإنقلاب العسكري فخامة الأخ رئيس جمهورية السودان ورئيس مجلس الوزراء والقائد العام للجيش ووزير الدفاع، ورئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ، وحادي ركب التوالي بحسب الدستور..
سؤال إلى سعادة الأخ الرئيس كم تبقي لك في سدة الحكم بعد الولاية الثانية.. أم البرلمان سينقض الدستور كما حدث في إحدى دول المنظومة العربية..
عليه لا نريد أن نستطرد لذلك وهناك وعد فريد، يخص النصارى، جاء في كتاب الله، والقرآن الكريم ليس دأبه ذلك يقول تعالى: [إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة] (آل عمران: 55) في الآية الكريمة قضيتان: الأولى بقاء النصارى إلى يوم القيامة، والثانية أن يكونوا فوق الكفار كذلك.. وذلك قد يفتح باب للجدل (الخيرية) بأن النصارى قد حرفوا وبدلوا وهم ليس أتباع للسيد المسيح، بينما الوعد للذين اتبعوه. ومعلوم أن لا جديد في عقائد النصارى، إلا قلة قليلة جداً، والباقون كلهم يؤمنون بالتثليث والصليب.. إلخ، ولا جديد عندهم، اللهم إلا ما تحاوله إسرائيل من رفع نصوص في الأناجيل.. ومن بعض الصلوات، ومن الدعاء على اليهود وأما ما سوى ذلك فلا جديد فيه.
وليس خافياً أن كل متحدث عن الحضارة يعني الغرب وكل متحدث عن التوجه الحضاري يعني الجبهة الإسلامية (المؤتمرين وطني حاكم وشعبي معارض) (والإثنان معاً إلى الحجيم) أضلونا السبيل بسبب التسبب في تغيبنا عن الوجود والشهود، دهراً طويل، وقد تولت قيادة البشرية أمم أخرى، وتصورات أخرى، وأوضاع أخرى وقد أبدعت العبقرية الأوروبية في هذه الفترة رصيداً ضخماً من العلم والثقافة والأنظمة والإنتاج المادي، وهو رصيد ضخم تقف البشرية اليوم على قمته، وغير مستعدة للتفريط فيه، ولا فيمن يمثله، وخاصة وأننا نكاد نكون عاطلين عن كل هذه الزينة التي لا تساوى عند الله جناح بعوضة..
وأننا لا نملك أن نقدم للبشرية تفوقاً خارقاً في الإبداع المادي، تحنى له الرقاب، ويفرض قيادتها العالمية ويفوق ما تم تقديمه.. فمن هذه الزاوية نجد أن العقل الغربي قد سبقنا في هذا المضمار، سبقاً واسعاً وليس من المنتظر خلال قرن على الأقل، التفوق المادي عليها، فلا بد من مؤهل آخر، مؤهل تفتقده هذه الحضارة.. وليست دعوة لإهمال الإبداع المادي ولكن واجبنا أن نحاول فيه جهد إيماننا، ولكن ليس بوصفه المؤهل الذي نتقدم به قيادة العالم، في هذه المرحلة الراهنة من الفوضي العارمة التي أصابتنا من التوجه الجهوي، وإنما بوصفه ضرورة ذاتية لتأكيد وجودنا، وكذلك بوصفه واجباً يفرضه علينا التصور الإسلامي الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض، ويجعلها تحت شروط معينة لعبادة الله تعالى، وتحقيقاً للغاية من الوجود الإنساني..
لذا نود أن نرسم مناحي الطريق أمام إعلاميينا وحادبي ركبنا خاصة وأن سمنار الإعلام شريك للتنمية على الأبواب.. وعام 2005م قادم على الخرطوم وهي عاصمة للثقافة العربية، ولم نجهز ولن تستعد وسائل الإعلام بأنشطتها ولا حتى دور وأماكن النشاط أعددت فلا بد من بحث عن مؤهل آخر لقيادة البشرية غير الإبداع المادي، ولن يكون سوى الإبداع المعنوي.. والعقيدة.. والمنهج، الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنتاج عبقريتها المادية، تحت إشراف العقيدة والمنهج في هذا التجمع الإنساني، أي بناء مجتمع متراص وأحسب أنها شهادة واضحة متوازنة منصفة.. وهكذا يمكن أن تتبدد غيوم الإقتتال في دار فور خاصة والسودان عموم وستؤدي إلى إخراجنا من هذا المنحنى الخطير وإبصار سعينا في حياتنا المعاصرة..
ولعل ثقافتنا لا تستطيع أن تقدم للعالم طائرات أسرع من الضوء، ولا طرقاً أنعم من طريق الإنقاذ الغربي.. ولا عصابة أفضل من الحالية.. ولا صناعات أفضل من صناعة تكرير البترول بالجيلي.. ولا سداً على ضفاف النيل أمنع من سد كجبار.. ولا تدمير أكبر من مشاريع هيئة تنمية غرب السافنا.. ولكن بإمكاننا أن نقدم إنساناً أكثر توازناً وإعتدالاً، وأكثر براً وإحساناً.. إنسان يرتبط بمبادئه.. ويهاب ويخشى خالقه.. إنسان يحترم الإنسان ويعمل لإسعاده.. لا الإرتقاء بناطحات السحاب، وإستنزاف الخيرات في إطار من التحايل والمكر، والدهاء والكيد..
بمعني آخر نحن في حاجة إلى صياغة وبناء الإنسان ليبني كل ما تم تدميره.. مع العلم أن صياغة الإنسان هي ما تزال هي الأصعب.. برغم أن الإنسان صنع التكنولوجيا ولكنه فشل في تربية طفل داخل البيت.
إن التربية المتوازنة لإنسان متوازن ما زالت هي الأصعب، المطلوب إنسان تتوازن أشواقه الروحية ونزعته العقلية، وعواطفه وغرائزه ولا تتحارب، هذا الإنسان هو المطلوب اليوم وغداً، والحاجة له تفوق حاجتنا للسيارات الفارهة وللصواريخ الذكية أو الغبية، أو طائرات الأنتنوف، وقبل أن يفلت الزمام إلى الأخر، فتتحول بلادنا إلى كرة من لهب أو فرن ذري يشوي الكل.. في وضع عالمي يبحث عن مسرح ليصفي فيه حساباته ومسمار يعلق فيه إخفاقاته الداخلية والخارجية.. فهل من مدكر..
التعايشي،