دماء لا تهدأ بين احتفالية الذكرى ومسؤولية الأحياء كتب /ناصر فراج

دماء لا تهدأ بين احتفالية الذكرى ومسؤولية الأحياء

كتب /ناصر فراج

بعد أربعة عشر عامًا، لا تزال حركة العدل والمساواة في السودان تحتفي بعيد الشهيد، وتتخذ من مؤسسها، الدكتور خليل إبراهيم محمد، رمزًا خالدًا للتضحية. ذلك الطبيب “الأبنوسي” ابن شمال دارفور، الذي خلع المعطف الأبيض واستبدل السماعة الطبية بالبندقية، ليس عداءً للدين بل استمدادًا منه، رافضًا الظلم التاريخي والتهميش المُزمن. إنه مسار تحوّل من علاج الجسد إلى مداواة جرح أمة.
وها نحن نستصحب سؤالًا مصيريًا في كل ذكرى: ما الذي يدفع تلك الأرتال من الشهداء إلى بذل دمائهم، رخيصة في أعينهم، غالية في ميزان الحق، لتكون نبع رخاء وحياة للآخرين؟ الشهادة ذروة التضحية، لأنها تُقدَّم بالنفس، وهي عند الله أعلى المراتب. ولكن الاحتفال يجب أن يكون محطة للتأمل، ومراجعة صادقة مع الذات: هل ذهبت دماؤهم سدى؟ وهل نحن، السائرون على الدرب، نقدّر حق قدرهم، أم صاروا مجرد ذكرى سنوية نختم عليها ثم نغفل؟
الحقيقة أن الوفاء الحقيقي ليس في التمجيد الكلامي، بل في السير على المبادئ التي استشهدوا من أجلها. لكن قبل ذلك، تثقل كاهلنا أمانة جسيمة: فقد ترك الشهداء إرثًا وطنيًا وثوريًا عظيمًا، وتركوا – وهذا هو الأثقل – أسرًا وأرامل وأيتامًا، قد تضيع حقوقهم وحنينهم بين زحام الأيام ونسيان الأحياء.
لذلك، في هذا العيد، لنحول الذكرى إلى فعل. لِنبادر ولو بزيارة أسرة أقرب شهيد إلينا، نذكر محاسنه، نستمع لأحلامه التي لم تكتمل، نُشعر أهله بأن دمائه لم تذهب سدى، وأنهم ليسوا وحدهم. فهذه أقل حقوقهم علينا.
من 15 أبريل وحتى اليوم، لم تتوقف القافلة. ولا تزال النفوس الطاهرة تُقدَّم قربانًا للكرامة والحرية. نسأل الله أن يتقبلهم في الصالحين، ويجعل مثواهم جنات النعيم. وقد بشرنا الخبير بعباده: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. فإذا كان هؤلاء الأحياء عند ربهم يرزقون فرحين، فلماذا نخذلهم ونحن أحياء على الأرض؟ لماذا نقصر في حقوق من تركوا وراءهم؟
تحية إجلال لكل أم شهيد، كل أخت، كل أب، كل أخ، كل ابن. تحية لمن سقط في معركة الكرامة الكبرى، وفي معارك الهامش الطويلة. ذكرياتكم ليست مناسبة للزينة والخطاب، بل هي نداء يقظتنا وضمير مسيرتنا. لنجعل من هذا اليوم عهدًا جديدًا للوفاء، يكون فيه التذكر بداية للعمل، والاحتفاء بادرة المسؤولية. 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *