وداعاً عبد القادر سالم سفير السودان إلى القلوب قبل الحدود كتب/ناصر فراج

وداعاً عبد القادر سالم سفير السودان إلى القلوب قبل الحدود
كتب/ناصر فراج
في فضاءات الفقد التي تعصف بالأمة، يظل رحيل المبدعين اختباراً لوعي الجماعة بتراثها، وتماسك ذاكرتها الجمعية. فالموت، في حقيقته الثقافية، ليس غياباً بل تحولاً إلى ثبات في الضمير الوطني، حين يكون الراحل قد أسس بقيمه وفنه ما يتجاوز زمن الجسد. اليوم، ونحن نودع عميد الأغنية التراثية السودانية، الفنان عبد القادر سالم، لا ننعي صوتاً فقط، بل ننعي سفيراً من طراز فريد، حمل مشعل الهوية السودانية إلى العالم، لا بالخطب والدبلوماسية الرسمية، بل بلغة الكون المشتركة: لغة النغم والإنسان.
لعل أبلغ شهادة على هذه السفارة غير المعلنة تأتي من أماكن قد لا نتوقعها. ففي بداية الألفية الثالثة، وجدت نفسي في قلب العاصمة النرويج أوسلو، أتقدم لوظيفة في مجال الخدمات الاجتماعية . كانت مديرتي المباشرة، في سابقة غير اعتيادية في المقابلات الغربية التي تتحرى عادة المؤهلات التقنية فحسب، تركز استفسارها على هويتي السودانية. حينها، أجبتُ بفخر: “نعم، أنا سوداني”. وفقتُ في الحصول على الوظيفة في فترة كانت الصعاب فيها ماثلة أمام العديد من ذوي الأصول الأجنبية.
بعد نحو ستة أشهر، وبعد تجاوزي فترة الاختبار بنجاح، سألتُ مديرتي في جلسة صفاء: “لماذا اخترتني أنا، بينما كان بين المتقدمين من هم أعلى مني تأهيلاً أكاديمياً؟”. فأجابتني بحكاية غيرت منظورها للحياة والإنسان. في عام 1979م، عملت في السودان مع منظمة دولية، وتحديداً في منطقة “بابنوسه” بكردفان، كمتخصصة في تمريض النساء والتوليد. هناك، في عمق السودان، ولد في قلبها حبٌ جارف لتراث كردفان، وكان عبد القادر سالم، بصوته وإيقاعاته الأصيلة، يمثل الجسر الذي عبرت عليه إلى روح هذا المكان.
لم تتحدث عن نقص الخدمات آنذاك، بل عن “إنسان السودان الهاش الباش الأمين”، كما وصفته. وروت حادثة تكشف جوهر هذا الأمانة: عند انتهاء مهمتها، ونظراً لنزاع قبلي، اضطرت للرحيل فجأة جنوباً نحو توريت. في العجلة، نَسِيت غطاء رأسها التقليدي (الشرَف) داخل الشاحنة (اللوري). وبعد يومين من البحث المضني، عثر سائق السوداني عليها وسلمه لها. تقول: “هذه القصة أرويها لكل من يسألني عن السودان”. لقد اختزلت الأمانة والإنسانية في فعل ذلك السائق، تماماً كما اختزل حبها للسودان في صوت عبد القادر سالم.
هذا الحوار جعلني أدرك أنني لا أحمل هوية جواز سفر فحسب، بل أحمل إرثاً ثقافياً هو رأس مال إنساني عالٍ. وفي رحلة عمل لاحقة داخل النرويج، بحثت عن أسطوانة للفنان الراحل كهدية لها. أثناء قيادتنا الطويلة، جربت عدة ألحان دون أن تلتفت. ولكن، ما أن انطلق إيقاع “المردوم” الشجي، حتى ارتسمت على محياها ابتسامة عريضة وبدأت تمايل بانسيابية غريبة، رغم أنها لا تفهم من العربية سوى “صباح الخير”. كان الانسجام تاماً. عند توقفنا، سلمتها الأسطوانة هدية. عبرت عن فرحتها الغامرة قائلة إن عبد القادر سالم وفيروز (الفنانة اللبنانية) هما صوتا الحنين في حياتها.
هذه الحكاية الشخصية ليست سوى نموذج مصغر لأثر هذا الفنان العظيم. لقد كان عبد القادر سالم، عبر أكثر من خمسين عاماً من العطاء، أكثر من مغنٍ أو باحث في التراث. لقد كان سفيراً إلى القلوب. سفيراً حمل السودان بكل تناغمه الثقافي النادر، بتنوعه الذي يلتقي عند مشترك إنساني عميق، وقدمه للعالم عبر قنوات المشاعر قبل قنوات الإعلام. لقد نجح حيث تفشل الدبلوماسية الرسمية أحياناً؛ لأنه خاطب الوجدان مباشرة.
لقد غنى “عشانك وطني ودار أحبابي أبني وأعمل وأحمي ترابي
مهما ألاقي المر في جهادي
بكره تعم خيراته رحابي
يجري النيل في صدر ربوعنا
خير وهنا وسر وجودنا
يسقي نخيل الريف وحقولنا
تحمي قراه الغاليه جنودنا.” فجمعنا حقاً، ليس على الخريطة فقط، بل في فضاء من الذوق المشترك والهوية المتفردة. في عالم يكرس للنزعات الانفصالية والتمايزات الضيقة، كان فنّه تأكيداً على أن الوحدة الحقيقية هي وحدة في التنوع، قوامها الحب والاحترام المتبادل. لقد قدم صورة للسودان الموحد بثقافاته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *