ما يجري في دارفور منذ عام 2003 ليس نزاعاً عابراً ولا حرب أطراف، بل مشروع إفراغ منظم، وإبادة جماعية مستمرة، وتغيير ديمغرافي قسري يُنفّذ على مرأى ومسمع من الداخل والخارج. مدن وقرى أُحرقت، مجتمعات أُبيدت، ملايين شُرّدوا داخل الوطن وخارجه، ولا تزال آلة القتل تعمل بلا توقف.
الأخطر من القتل نفسه هو ما يجري بصمت: تفريغ دارفور من سكانها الأصليين، خصوصاً فئة الشباب. فالهجرة الخارجية تكاد تقتصر اليوم على من تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عاماً، أي القوة الحية القادرة على الدفاع والبناء والاستمرار. هذا النزيف البشري ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات الحرب، وانعدام الحماية، وغياب القرار الحاسم.
ومع اشتداد الحرب في مرحلتها الراهنة، تسقط مدن دارفور مدينةً تلو الأخرى، ويُجبر من نجا من القتل على النزوح، بينما تُحتل هذه المدن بسكان جدد، كثير منهم وافدون من النيجر وتشاد وإفريقيا الوسطى. ما يحدث هو إحلال سكاني واضح، واستيلاء على الحواكير، وفرض واقع جديد بالقوة. إنها جريمة تغيير ديمغرافي مكتملة الأركان.
هنا، لا بد من توجيه حديث مباشر وصريح إلى قيادات دارفور السياسية والعسكرية: إن الاستمرار في النهج الحالي يعني التفريط في الأرض والإنسان معاً. الزمن لا يعمل لصالحنا، وكل يوم تأخير يقرب دارفور خطوة أخرى من الضياع النهائي.
لقد تغيّر الواقع الميداني، ومن العبث إدارة الحرب بعقلية قديمة أو بخطط لم تعد صالحة. صحيح أن القوات المشتركة أصبحت جزءاً من الجيش، لكن حركات دارفور لم تُنشأ لتكون مجرد وحدات إسناد، بل وُلدت لحماية إنسان دارفور والدفاع عن حقوقه التاريخية في الأرض والكرامة والوجود.
إن انهماك قيادات الحركات في العمل الإغاثي—وهو واجب أخلاقي لا جدال فيه—لا يمكن أن يكون بديلاً عن الفعل العسكري والسياسي. ما يحدث الآن هو شلل شبه كامل للحركة القتالية، في وقت يتم فيه احتلال المدن وتغيير هويتها، وتهجير أهلها إلى المعسكرات أو دفعهم إلى قوارب الموت نحو أوروبا.
التاريخ القتالي لحركات دارفور يشهد بأنها لم تنتصر يوماً بالخندقة والدفاع السلبي، بل بالمبادرة والهجوم. حركة العدل والمساواة خاضت أكثر من 140 مواجهة مع القوات الحكومية، ولم تخسر سوى معركة واحدة في قوز دنقو، لأسباب تتعلق بتفوق استخباراتي معروف. هذا التاريخ ليس للحنين، بل لاستخلاص الدروس: التراجع اليوم يعني الفناء غداً.
المطلوب الآن، دون مواربة، هو توحيد صفوف حركات دارفور، ووقف الصراعات البينية، واعتماد استراتيجية هجومية تحمي المدن، وتمنع نزوح السكان، وتوقف هجرة الشباب. فكل شاب يغادر اليوم هو خطوة إضافية نحو احتلال الحواكير وطمس هوية دارفور.
إن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل معركة وجود. إما أن تتحمل القيادات مسؤوليتها التاريخية الآن، أو يُسجّل التاريخ أنها شاهدت دارفور تُفرغ من أهلها ولم تفعل شيئاً. الأوطان لا تضيع فجأة، بل تُسرق ببطء، بالصمت، وبالقرارات المؤجلة.
سيف الدين عوج الدرب
امين امانة الحكم الفيدرالي
حركة العدل والمساواة السودانية
