السودان هل ستستغل القوى السياسية عدوى التظاهرات العربية ….وعوامل التغير؟

السودان هل ستستغل القوى السياسية
عدوى التظاهرات العربية ….وعوامل التغير؟

موجة من التظاهرات تجتاح الشرق الأوسط وبصورة اخص العالم العربي ضد أنظمة دكتاتورية عتيقة حكمت لسنين متطاولة دون آن تحدث نفسها  بالتنحي يوما  أو بعمل يخلدها في ذاكرة شعوبها غير القهر والاستبداد فكان قدرها إن تكتوي بما زرعته من أشواك آذ تصدى للثورة ضدها شباب هم ربائب هذه الأنظمة وقد بدأت الشرارة بتونس الخضراء بواقعة أشبه بأفلام (الاكشن) حيث صفعت شرطية مغمورة الشاب بائع الخضروات البسيط محمد البوعزيزي بعد مصادرة عربته وقالت له في لغة حاسمة   degage أي ارحل وبالفعل رحل بعيدا مخلدا اسمه كرمز للثورة والتغير متسببا في رحيل نظام الرئيس التونسي بن علي خلال سبعة وعشرون يوما وتلاه في السقوط الرئيس المصري حسني مبارك صاحب اقوي وأشرس جهاز امن في المنطقة في غضون 18 يوما ولا يزال في القائمة رؤساء كثر ينتظرون ركلة الشعوب إلى غياهب آلا عودة من لدن اليمن إلى ليبيا إلى سوريا والورقة لاتسعها الأسماء في غضبة تاريخية يبدو إنها لأتبقى ولا تذر. غير إن  تظاهرات الشباب السوداني وهي موضوع مقالنا و التي نظمتها حركة قرفنا وشباب من اجل التغير(شرارة) واتحاد الشباب السوداني وشباب آخرين في الثلاثون من يناير2011 الماضي والواحد والعشرون من فبراير2011 لم تبلغ هدفها المأمول ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى حالة الانقسام التي تعيشها المعارضة السودانية ، ففي وقت ترى فيه بعض قوى الإجماع الوطني (قوى جوبا )إن العامل الدولي لايساند إسقاط حكومة الخرطوم في الوقت الحالي لجهة إن استحقاقات كثيرة وفروض طاعة وولاء مثل آبيي والمشورة الشعبية في جبال النوبة والانقسنا وجملة ما اصطلح عليها بقضايا ما بعد الاستفتاء لايزال يتوجب على المؤتمر الوطني الوفاء بها قبل التاسع من يوليو القادم  وفي ذات الإثناء يفاوض حزب الأمة وهو ضمن قوى الإجماع الوطني المؤتمر الوطني في تراخي وطني جديد على وزن التراضي الوطني الذي وقعه الأمة مع الوطني في النصف الأول من عام 2008م والملاحظ إن حزب الأمة لم يقف لتقيم تجاربه السابقة في اتفاقات متواترة مع المؤتمر الوطني  تمتد من نداء الوطن إلى التراضي الوطني علاوة على مشاركة الحزب في ملتقى أهل السودان واتفاقات وتفاهمات أخرى لم تحدث أي تحولات تذكر لتوجهات وممارسات المؤتمر الوطني السياسية بل وفرت له مساحات اكبر للمناورة  والظهور بمظهر الحريص على التوافق والحوار الوطني وفي أحيان أخرى وفرت السند لتنفيذ أجندة تفكيكية خاصة بالمؤتمر الوطني مثل زيادة ولايتين بدارفور التي يزمع المؤتمر الوطني القيام بها تأسيسا على أن الرأي الغالب لأهل دارفور في ملتقى أهل السودان الذي شغل السيد الصادق المهدي عضوا لهيئة رئاسته هو تغليب خيار زيادة عدد الولايات على كل مفاوضات الطرفين التي تصطدم بجدار الجنائية والأقاليم الستة التي يتمسك بها حزب الأمة قد لاتصل لنهايات سعيدة يرجوها المؤتمر الوطني .لكن الأخير سيدمن الهرولة نحو حزب الأمة للدخول في حوارات عبثية لاتسمن ولأتغنى من جوع كلما داهمته زنقة سياسية مثل التي يعيشها ألان وكذا الحال المفاوضات التي يديرها الحزب الحاكم مع الاتحادي الديمقراطي الأصل هي الأخرى لأتقل تأثيرا عن الذي يجريه حزب الأمة وكلا الحزبين يبدوان نشازا في جوقة قواعد الحزب وشبابه المتطلعين لإسقاط النظام .العامل الثاني أن الأجسام المتعددة التي تصدت للتظاهرات كانت متعجلة وعلى درجة عالية من الحماس لركوب موجة التظاهرات العربية على غرار ما حدث في تونس ومصر وبالتالي لم تهتم بالتنسيق والتخطيط لتلك التظاهرات والعامل الثالث يرجع للازمة السودانية المتطاولة وارتباطها بالهوية الامر الذي افرز واقعا جديدا في المشهد السياسي السوداني انتقل معه تغير الأنظمة من المدن كما حدث في أكتوبر وابريل إلى الغابة عبر الكفاح المسلح  تمخض عن ذلك ميلاد أجسام سياسية تمثل تطلعات المهمشين مثل الحركة الشعبية والأحزاب الإقليمية والحركات السودانية المسلحة التي تقاتل في دارفور وكردفان وغيرها وهؤلاء باتوا يمثلون الثقل السكاني بعد انفصال الجنوب الذي سيحدث رسميا في يوليو القادم وبالتالي جماهير تلك المناطق لم يكونوا متحمسين لتظاهرات الشباب بدرجة كافية  فالجماهير في النيل الأزرق وجنوب وكردفان ينتظرون جني ثمار استحقاقات اتفاقية السلام  الشامل المتمثلة في المشورة الشعبية بدلا عن ثورة شعبية قد تطيح بمكتسباتهم وتعيدهم إلى نقطة البداية.وبالنسبة للحركات المسلحة فان خطها السياسي لا يشمل ضمن الوسائل إسقاط النظام بوسائل مدنية باستثناء حركة العدل والمساواة التي تركز على إسقاط النظام بكافة الوسائل والتوجه الأخير لحركة عبدا لواحد التي دعت لإسقاط النظام عبر المظاهرات التي بدأت ا في الواحد والعشرون من ابريل 2011 الجاري بمدن نيالا وزالنجي وامتدت لبور تسودان وسنار الخ وهو توجه قديم لحركة عبدا لواحد يعود إلى تاريخ توقيع اتفاق أبوجا حيث استخدمت  جماهير المعسكرات والطلاب ككارت ضغط  لهزيمة أبوجا ولتوطيد عدم تجاوزها في مضمار المفاوضات.لكن تلك التظاهرات رغم صغرها تتجه بقوة لكسر حاجز الصمت على خلفية أن تظاهرات كثيرة لازالت تنظم وفي مدن مختلفة ما يعني أن موجة التظاهرات لن تتوقف ومن ناحية أخرى  فان تلك التظاهرات بالإضافة لأمهاتها بالدول العربية قد أثارت مخاوف جدية لدى الحزب الحاكم وقياداته فقد أعلن الرئيس البشير إبان لقاء ضمه إلى طلاب وشباب حزبه فبراير الماضي تشكيل مفوضية لمحاربة الفساد علاوة على عدم الترشح لدورة انتخابية جديدة وكلا التوجهين لا يعدوان أن يكونا مناورة سياسية وذر للرماد في العيون لان الفساد السياسي أفرخ تفسخا اقتصاديا الكل غارقون في مستنقعه حتى النخاع وبالنسبة لعدم الترشح لدورة قادمة فالرئيس يعرف أكثر من غيره أن خلع الحصانة ورداء السلطة عنه يجعله في متناول محكمة الجنايات بأيسر ما تيسر يضاف إلى ذلك أن الحكومة المركزية أصدرت بحسب مصادر مؤكدة تعليمات مشدد للولاة لاسيما ولاة دارفور بمنع التظاهر بكل السبل وضرورة إحسان معاملة الباعة الجائلون و(الشماسة وغيرهم) وتطبيقا للخطة فقد قام والي ولاية جنوب دارفور عبدا لحميد موسى كاشا بأربع زيارات لجامعة نيالا خلال الشهرين الماضيين وقام بإصلاح النشاط الطلابي ووعد بعدم اعتقال أي طالب بسبب نشاطه السياسي في محاولة يائسة للتزلف إلى الطلاب ولاحتوائهم . وبديهي أن التركيز على دارفور يأتي  بسبب أن المواطنين هناك سئموا قهر السلطات لثماني سنوات حسوم ولم تعد أمامهم خيارات أكثر للبقاء إحياء  ومثال واحد يكفي ويغني عن السؤال  ففي معسكر كلمة من تاريخ 13ابريل تاريخ توقف المنظمات عن العمل بالمعسكر إلى بداية مايو2011 توفي أكثر من 40 طفل لذلك يتخوف المؤتمر الوطني أن تنطلق الشرارة من هناك ويتجلى رهاب السلطة من التظاهرات بصورة أكثر وضوحا على مستوى الجامعات السودانية حيث قام مدير جامعة السودان بفرض زى موحد لطلاب الجامعة بتاريخ 17 ابريل الماضي وبمجرد اعتصام الطلاب قام السيد المدير وعلى أعجل ما يكون وبعد يوم فقط من قراره الأول بإصدار قرار الغي به الزى الموحد خوفا من تحول الاعتصامات المحدودة إلى تظاهرات هادرة تجتث الحزب من جذوره .والأمثلة على (الجرسة )كثيرة وعديدة ولان قادة الحزب الحاكم على قناعة بان كل  العوامل لقيام ثورة شعبية متوافرة أكثر من أي وقت مضى فالحزب يفتقد منذ المفاصلة الشهيرة بين المؤتمرين الشعبي والوطني رمزية القائد والمفكر والملهم الذي يلتف حوله الكل مما افرز تيارات متصارعة تتماسك بالسلطة وأدوات القهر كالأجهزة الأمنية والازرع القمعية الأخرى وتتجلى صراعات الحزب على مستوى الولايات كما عكسته الملاسنات الأخيرة بين مساعد رئيس الجمهورية نافع علي نافع ومستشار رئيس الجمهورية للشئون الأمنية على صفحات الصحف والتي انتهت بإقالة المستشار من منصبه وقد تتصاعد الإجراءات لتصل لمستوى الفصل من الحزب إذا كان الحال كذلك على مستوى القيادات العليا فان انعكاسات تلك الصراعات على مستوى قطاع الطلاب تبدو أكثر تفاقما  حيث شهدت جامعة النيلين خلال شهري مارس وابريل المنصرمين ثلاث مواجهات بين طلاب المؤتمر الوطني أدت إلى جرح أكثر من 7 طلاب ولأول مرة منذ سنوات المفاصلة في 2000 تأتي الشرطة للتفريق بين أعضاء حزب السلطة كما حدث في جامعة النيلين قبل اقل من شهر كل ذلك بسبب تنافس التيارات لتصعيد منسوبيها لمؤتمر الحزب القادم أما عامل الجيش فمن المؤكد أن المؤتمر الوطني لايراهن عليه كثيراً بقدر رهانه على الأجهزة الأمنية وتقف الحرب بدارفور وعملية الزراع الطويل التي قامت بها حركة العدل والمساواة في مايو 2008 خير شاهد على زعمنا إذ لازالت الحكومة تستخدم المليشيات بصورة أساسية في حربها ضد الحركات بدارفور  وعندما اقتحمت العدل والمساواة أم درمان لم يتصدى لها الجيش بل القوات الأمنية وحتى الوحدات الأمنية التي يراهن عليها الوطني ليس لديهم أي محفزات للاستمرار في الذود عن حزب لا يلتف حول فكرة غير الاحتفاظ بالسلطة فالمعروف أن الأعضاء دائما ما يكونون على استعداد للتضحية من اجل الأفكار ومن اجل الأخيرة تدافع الآلاف من شباب الحركة الإسلامية لمحرقة الحرب الجهادية المزعومة بجنوب السودان في تسعينيات القرن الماضي وهي تجربة لن تتكرر ببساطة لان الفكرة سقطت أو بالأحرى أسقطت بصرف النظر عن رأي الآخرين حولها .صفوة القول أن استمرار الأحزاب في محاورة النظام لن يؤدي آلا إلى مزيد من الانقسامات والتشققات بتلك الأحزاب وانفضاض الجماهير حولها وهو أمر جربته القوى السياسية (والجرب المجرب حاقت به الندامة )كما يقول مثلنا السوداني العتيق .وبالنسبة للانتخابات في جنوب كردفان لا اشك لحظة في إنها ستزور وهل هناك ما  أخر الانتخابات  لأكثر من عام غير تزوير التعداد السكاني مالكم كيف تحكمون ؟ الم يضاف إلى السجل الانتخابي 38 ألف اسم من قبل مفوضية الانتخابات مالكم لا تتعظون ؟ أن الوضع في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق سيكون أكثر استقرارا وتلبية لأشواق وتطلعات أبناء المنطقة بعد الثورة الشعبية وعطفا إلى دارفور فان المفاوضات الأشبه بساقية جحا لن تؤدي إلى شئ غير إطالة عمر المؤتمر الوطني وان مواضيع مثل الإقليم الواحد والحوا كير وغيرها يمكن كسبها بقرار إداري فقط في ظل حكومة غير حكومة المؤتمر الوطني إذ لايمكن أن يتحاور الناس حول حوا كير يمتلكونها لمئات السنين والاهم من ذلك يجب أن يعي حاملي السلاح أن مساحة المساندون لثورتهم تنحسر بشكل دراماتيكي فالزعيم الليبي أقوى المساندين للحركات يعيش زنقته الأخيرة التي لا أمل في الخلاص منها ولن تبقى سوى يوغندا وهي أيضا اهتمامها بدارفور يأتي من باب تصفية جيش الرب (التو نق تونق )أما الحركة الشعبية فما فتئ المؤتمر الوطني يحاول خلط أوراقها لإغراقها في مسائل داخلية تبدأ وتنتهي بمواجهة مليشيات لاتتورع في خدمة أجندة المؤتمر الوطني قبل الحرب وإثناء السلام وبعد الانفصال في وقت تتزايد فيه معاناة النازحين على الأرض وبالمقابل تتمدد نفوز المليشيات والمستوطنين الجدد بأراضي النازحين لكل ماتم سرده نرى الأفضل لكل الأحزاب والحركات أن تتجه صوب الانتفاضة الشعبية وسيكون مستقبل السودان أكثر إشراقا ولن يتطلب ذلك من الأحزاب والحركات أكثر من توجيه قطاع الشباب والطلاب لدعم الانتفاضة الشعبية بالتخطيط والمشاركة واعتمادها وسيلة لإسقاط المؤتمر الوطني عن السلطة  .

خالد عبدالله أبكر
كاتب وصحفي
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *